صنعاء 19C امطار خفيفة

الثقافة اليمنية بين الإقصاء الممنهج وضرورة استعادة الدور

ما نشهده مؤخرًا من حراكٍ واسع على صفحات التواصل الاجتماعي بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، ولا سيما الجدل الدائر حول تعيين وزيرة الثقافة، ليس حدثًا عابرًا ولا نقاشًا عاطفيًا طارئًا. وبحكم قربي من وزارتي الثقافة والإعلام لأكثر من خمسةٍ وعشرين عامًا، واطلاعي المستمر على ما كتبه المثقفون والكتّاب والصحفيون والإعلاميون، ما بين مؤيّد ورافض، أجد أن القضية أعمق بكثير من اسمٍ أو تعيين، وأنها تمس جوهر الثقافة اليمنية ومستقبلها الاجتماعي والفكري.


الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها، أو تجاهلها، أن وزارة الثقافة تُعدّ منذ ما بعد عام 1994 أكثر الوزارات تهميشًا وإقصاءً وشكلية. فمنذ ذلك التاريخ، جرى تفريغ الثقافة من مضمونها الحقيقي، وتحويلها إلى نشاطٍ مناسباتي محدود، تُديره مكاتب في المحافظات بلا برامج سنوية واضحة، ولا رؤى استراتيجية للفعاليات أو المشاريع الثقافية المستدامة. والأمر لا يقتصر على الوزارة وحدها، بل يتعداه إلى غياب المؤسسات الثقافية مثل اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين والمؤسسات الثقافية المستقلة، التي كانت تُشكل شبكة دعم للثقافة، تُفعّل الفعل الإبداعي وتقدّم البرامج والملتقيات والأعمال البحثية والأدبية والفنية. هذا الغياب يضاعف أزمة الثقافة، ويؤكد أن الفعل الثقافي لم يعد له بنية حقيقية تُعتمد عليها الدولة أو المجتمع.
وعلى النقيض من هذا الواقع، شهدت اليمن في منتصف القرن العشرين، وخصوصًا منذ النصف الثاني من الستينيات وحتى مطلع التسعينيات، مرحلةً ذهبية للفعل الثقافي. برز خلالها روّاد كبار مثل عمر الجاوي، وأحمد قاسم دماج، وجار الله عمر، ويوسف الشحاري، ومحمد أحمد الربادي، وغيرهم ممن أسّسوا البنية التحتية الحقيقية للثقافة اليمنية الحديثة. آنذاك كانت وزارة الثقافة مدمجة بوزارة الإعلام، ما أتاح نقل المسرح، والملتقيات الأدبية، والمخيمات الثقافية، والإصدارات من كتب ومجلات، إلى وسائل الإعلام، لتصبح الثقافة فعلًا اجتماعيًا حيًّا ومؤثرًا، يُبنى على رؤية استراتيجية مستمرة، ويصل إلى الناس في المدن والقرى على حد سواء.
دماج وجارالله والجاوي والشحاري والربادي
غير أن الصراع السياسي بعد 1994 خلق حالة خوف وارتياب لدى السلطة من دور النخبة المثقفة، لما تحمله من وعي نقدي وقدرة على التأثير المجتمعي. فتمّت إزاحة المثقفين، وأُسدل الستار على الفعل الثقافي، ودخلت الثقافة في دائرة تهميش ممنهج لا تزال مستمرة حتى اليوم، وهو ما أثر سلبًا على كل المؤسسات الثقافية، وجعلها عاجزة عن أداء مهامها، أو إطلاق برامج مستمرة، أو دعم الإبداع المحلي، أو خلق مساحة للتبادل الفكري والفني على المستوى الوطني والدولي.
ورغم ذلك، برزت لحظة فارقة عام 2004، حين كانت صنعاء عاصمة للثقافة العربية. وعلى الرغم من تعثّر الاستضافة مرتين، فإن تلك المرحلة – بقيادة خالد الرويشان – شهدت حراكًا ثقافيًا لافتًا. تطوّرت حركة النشر، وتأسست أروقة ثقافية، وتعاون اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين مع مؤسسات مدنية مستقلة، فظهر جيل من الرسامين والموسيقيين والشعراء والمترجمين، لا يزال حاضرًا في المشهد الثقافي حتى اليوم. كما أسهم هذا الحراك في تعريف العالم بصنعاء، واستقطاب كتّاب ومفكرين عالميين كتبوا عنها وشهدوا بثرائها الثقافي، ليصبح نموذجًا حيًا على أن الثقافة اليمنية، حين تحظى بالدعم والاعتراف، يمكن أن تكون رافعة للتأثير الاجتماعي والسياسي.
خالد الرويشان
لكن هذا الزخم لم يُستكمل. فمع تغيّر الحكومات، عادت الهواجس السياسية، وغاب الدعم، وتراجع الفعل الثقافي مجددًا. وبعد ثورة 11 فبراير، لم تستعد الثقافة دورها الكامل، بل عادت وزارة الثقافة إلى حالة الإغلاق والتهميش، وأُقصي المبدعون، وأُغلقت حتى المؤسسات الثقافية المستقلة، نتيجة الصراع السياسي الحاد بين القوى المتنازعة في الشمال والجنوب، وهو ما خلق فراغًا كبيرًا في المجال الثقافي وأضعف قدرة المثقفين على المشاركة الفعالة في بناء سياسات ثقافية مستدامة.
إن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد تعيين جديد، بل شخصية ثقافية جريئة وقوية، لا تخضع للحسابات السياسية ولا للمحسوبية أو الوساطات، بل تنحاز للمبدع، وللشاعر، وللفنان، وللموسيقى، وللتراث المادي واللامادي، وللآثار، وللسياحة، وللإنسان اليمني بوصفه جوهر الثقافة وغايتها. كما يحتاج الأمر إلى برنامج واضح ودائم من الوزارة الجديدة، يمكن تنفيذه من خلال صندوق التراث والتنمية الثقافية، يشمل:
تجديد الأنشطة الثقافية والفنية في مختلف المحافظات،
إنتاج الأفلام القصيرة والمسرح، والأفلام الوثائقية،
دعم ورعاية الأدباء والكتاب، بما في ذلك الرعاية الصحية والمعنوية،
تعزيز حركة النشر، والمعارض، والملتقيات، وورش التدريب والإبداع للشباب،
إحياء المؤسسات الثقافية المستقلة مثل اتحاد الأدباء والكتاب، وتمكينها من أداء دورها الحقيقي.
فالثقافة ليست ترفًا… بل ضرورة وجودية.
والبلاد التي لا ثقافة فيها، تموت من البرد

الكلمات الدلالية