صنعاء 19C امطار خفيفة

الرياض و"احتواء التفكك"

تبدو مهمة الرياض في "احتواء التفكك" شبه مستحيلة، وهي ليست بسهولة مهمة أبوظبي في دعم وتغذية عوامل وعناصر تفكيك البلاد إلى مستويات غير قابلة للاحتواء.


ذلك ما تقوله المعطيات والمؤشرات الداخلية، ويقوله التشظي وتهافت وتهالك المؤسسات المعنية، وبالأخص الرئاسة والحكومة، التي كانت آخر رسائلها مخيبة للآمال، بعد أن تمخض انغماسها في الحسابات المناطقية عن تشكيلة من (35) حقيبة، بالإضافة إلى حقيبتين يتأبطهما رئيس الحكومة في "دولة" تُعتبر الأكثر فشلًا وفسادًا في العالم بعد دولة جنوب السودان الانفصالية.
لا شك أن الجزء التالي من الرسالة سيتضمن المزيد من الانغماس في العوالم السفلية للزبائنية السياسية، والهدر الوقح والسفيه للمزيد من الوقت والمال لاسترضاء وتعويض من فاتهم قطار المنصب، والانشغال بقوائم المرشحين للسفارات والوزارات والمؤسسات، وكل ما من شأنه مراكمة احتقانات وأسباب الانفجار التالي.
وبالاتكاء على المعايير المناطقية، انفتح الباب للراقصين على كل الحبال، وفاز الحزب الراقص على ألوان عباد الشمس بحصة الأسد؛ فهو حزب بميسوره أن يتسربل برداء القبيلة، وأن يتلطى بالجهة أو المنطقة، وأن يتسرول بالحزب.
يحدث هذا بعد تجارب مريرة وإخفاقات كبيرة برهنت على أنه لا سبيل لإخراج البلاد من مضيق الأهواء القاتلة والهواء الفاسد إلا بالتعويل على من يحاور العالم بمنطقه، وليس من منظار اعتباره لقريته ومنطقته مركز الكون، أو من خلال الشعارات والرايات والهتافات والانحباس في سياق انفجاري، وفي حركة على خط دائرة الماضي، الذي كان ولا زال هو الساحة الرئيسية للمعارك في اليمن.
لقد أصبح النظر إلى الأحوال الراهنة بعدسة الماضي وحدها وصفة مؤكدة للاندثار والغياب في لحظة، بل في فرصة تستوجب تسجيل اليمن لحضورها، وإعادة تعريفها لنفسها ودورها، واستعادتها لمصيرها وسيادتها. وذلك أمر يستلزم إعادة تعريفها لعلاقتها بالمملكة العربية السعودية التي ذهبت، مؤخرًا، إلى التأكيد بأن حدودها لم تعد تلك الحدود الدولية المتعارف عليها بين البلدين بحسب الخرائط والمعاهدات، بل إن اليمن كلها حدودها، ومجالها الحيوي، وعمقها الأمني والاستراتيجي.
وتجمع الصحافة السعودية، والتصريحات والبيانات الصادرة عن المملكة، على أن العملية العسكرية التي قامت بها في الساعات الأخيرة من العام الماضي في اليمن دشنت انعطافًا حاسمًا في تاريخ المملكة، وانتقلت بها من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة تشكيل الإقليم، والحسم في مفهوم الزعامة في المنطقة، والإعلان الصريح عن مناهضة التفتت، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، من منطلق الإدراك لأن أخطر ما يواجه المنطقة هو تحولها إلى جزر نفوذ ودويلات متنازعة.
وكل يوم تطالعنا الصحافة السعودية والمصادر الرسمية بتأكيدات متجددة على الوقوف الحازم إلى جانب وحدة وسيادة السودان، والصومال، وسوريا، ولبنان، وإن كانت بعض الكتابات السعودية لا تخلو من رنين مرتفع ومتكرر لعبارة "احتواء التفكك" في اليمن.
والحال أنه حين ينحصر أو يتأطر التحرك في اليمن تحت سقف هذا الاحتواء، فإن ذلك يعني الاكتفاء بمعاقبة الشخص (عيدروس مثلًا)، والإبقاء على الشبكة أو الكيان "المتحور"، وعلى عناقيد جمرات الاحتقان تحت الرماد، ويعني أيضًا أن هذا السقف قابل للانهيار أو للانقشاع في أي لحظة.
إن العلاقات بين اليمن والسعودية تحتاج إلى مراجعة جدية شاملة، وإلى تعريف جديد ينسجم مع التصريحات والتوجهات المعلنة للمملكة، التي تقول بأنها غدت تتبنى فلسفة جديدة في إدارة الملف اليمني، ومسارًا عنوانه: "الدولة أولًا، والمؤسسات أساسًا، والتنمية بوابة الاستقرار". وهذا هو العنوان الذي تكرر في أكثر من صحيفة سعودية مؤخرًا.
في السياق، لم تُخفِ هذه الصحافة نقدها الحاد لطريقة الإمارات في إدارة ملف المحافظات "المحررة"، بما في ذلك ملف الخدمات الذي كانت تديره بمنطق النفوذ وبمنهج أمني-سياسي كورقة ضغط وابتزاز، ووسيلة لإدامة الهشاشة.
ترى، ما هي فلسفة "الشرعية" والحكومة الضخمة؟ وهل لديها فلسفة من الأصل؟

الكلمات الدلالية