شاهر عبدالحق ابستين الشرق الأوسط
تابعتُ ردود الأفعال التي تلت ظهور اسم رجل الأعمال الراحل شاهر عبد الحق في الوثائق المتعلقة بـ جيفري إبستين، ورغم أن معظم التعليقات ذهبت نحو حصر العلاقة في إطارها السطحي إلا أن الواقع يشير إلى ما هو أبعد من ذلك.
ما يجمع بين رجل الأعمال الراحل شاهر عبد الحق وجيفري إبستين أعمق بكثير من مجرد رسائل بريد إلكتروني عادية وصورة يتيمة وفضفضة شخصية ومشروع مشروب القات.. تلك الرسائل لم تكن سوى قشرة خارجية تخفي وراءها علاقة عميقة فكلاهما كان خبيراً في غسيل الأموال وتوفير الملاذات السرية للأموال عبر الشركات الوهمية ومحترفاً في نسج شبكات مالية معقدة.
فقد كشفت وثائق بنما أن شاهر عبد الحق كان يدير شبكة عالمية ضخمة ومترابطة تُعرف بشركات الأوفشور وهي شركات وهمية في دول صغيرة توفر حماية قانونية قوية لسرية هوية المالكين أو المستفيدين الحقيقيين بعيدا عن الرقابة.
وبينما كان إبستين يتمركز في جزر العذراء الأمريكية ك امبراطورية لشركات الاوفشور التابعة له ومؤسساته المالية.. كان شاهر يدير عدد من شركات الأوفشور والكيانات الوهمية في جزر العذراء البريطانية المجاورة وجميع تلك الجزر تمثل ارخبيل واحد.. كما تشير وثائق بنما ان شركات مرتبطة بشاهر كانت موجودة أيضا في جزر العذراء الأمريكية أي في مملكة ابستين نفسه.
و ظهر اسم جيفري إبستين بوضوح في (وثائق بارادايس) عام 2017 بأنه يدير مجموعة من الشركات والكيانات الضخمة في تلك الجزر لتوفير الملاذات المالية السرية والآمنة. ومثلما كان لشاهر عبد الحق بنكه الشخصي (بنك اليمن الدولي) كان لجيفري إبستين بنكه الشخصي الممثل في شركة (فايننشال تراست) في سانت توماس.

تكشف هذه الوثائق عن جوهر العلاقة التي قد تجمع أباطرة (الأوفشور) والشبكات المالية المعقدة التي تتجاوز القوانين وتخترق الأزمات لتوفير ملاذات آمنة لقلة مختارة من تجار السياسة وتجار المخدرات و أباطرة المال ورجال الأعمال وهو المضمار الذي كان كل من شاهر وإبستين يتقنان اللعب فيه باحترافية عالية.
وأنا اقرأ في وثائق بنما وغيرها من التسريبات التي أظهرت بيانات شركات الأوفشور الخاصة بشاهر عبد الحق وإبستين تذكرت مدى نفوذ شاهر وشبكة علاقاته الكبيرة في لبنان وكنت مطلعا على كثير من نشاطاته وتفاصيل زياراته وغيرها..
في صيف عام 2021 كنتُ حاضراً في اجتماعات التفاوض التي عُقدت في بيروت بين وفد مصرفي يمني وحاكم مصرف لبنان لبحث مصير الأموال اليمنية المحتجزة لدى البنوك اللبنانية التي أعلنت إفلاسها إبان الانهيار المالي التاريخي وخلال تلك المداولات صُدم الوفد اليمني بحقيقة أن شاهر عبد الحق كان قد نجح بالفعل في استعادة أمواله التي تتجاوز 200 مليون دولار عبر تسوية غامضة مستغلاً شبكة نفوذه العميقة في وقت كانت فيه أموال الوديعة السعودية لشراء الغذاء والدواء لليمنيين حبيسة نظام مصرفي مفلس في ذروة أزمة البنوك اللبنانية.
لم تكن شبكة شركات شاهر لخدمة مصالحه فقط بل كانت أيضاً الأداة التي عززت تحالفه المتين مع الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح. إذ تشير تحقيقات فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات بالأمم المتحدة إلى أن شركات شاهر كانت بمثابة واجهات لأموال علي عبد الله صالح وأشارت بشكل مباشر وواضح إلى العلاقة المالية بين الشخصيتين، وحدد التقرير شاهر عبد الحق كواحد من الدائرة الضيقة التي ساعدت علي عبد الله صالح وعائلته على إخفاء وإدارة الأموال والأصول التي جُمعت خلال فترة حكمه بطرق غير مشروعة ونقلها بعيداً عن الرقابة.وقد تم التحقيق مع شاهر عبدالحق من قبل فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات عدة مرات في جلسات مطولة وفي إحدى المرات تطلبت حالته الصحية نقله إلى المستشفى.
و لم يتوقف هذا الدور بانتهاء عهد صالح فبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، استمرت شبكة شاهر في العمل حيث تشير التقارير إلى أنه ساعد قادة في جماعة الحوثي على استثمار أموالهم خارج اليمن عبر منظومة الشركات الوهمية ذاتها التي كانت تخدم عائلة صالح.
وكان شاهر يوفر الملاذات الضريبية السرية للكثير من أباطرة المال في الشرق الأوسط وأفريقيا وكان بمثابة الأب الروحي لأصحاب رؤوس الأموال العرب وقد ظهرت أسماء عدد من رجال الأعمال العرب في وثائق بنما كجزء من شبكته المالية مثل نجيب ميقاتي وعائلة غندور اللبنانية والملياردير الأردني زياد المناصير الذي يعمل في قطاعي الطاقة والبناء.
هذا التشابه في المنهجية يؤكد أن ما جمعه بإبستين لم يكن مجرد علاقة عابرة بل تشابه في أساليب صناعة النفوذ العابر للقارات.. كان شاهر تماماً مثل إبستين وسيطاً دولياً يجيد بناء شبكات معقدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية.
ولم يقتصر نفوذهما على المال والسياسة بل امتد ليخترق المجتمعات المخملية وهنا يكمن تشابه آخر في المنهجية. فمثلما لم تكن فضائح إبستين مجرد انحرافات شخصية بل كانت منظومة متكاملة استخدم فيها الجنس كأداة لاختراق دوائر النخبة السياسية والاجتماعية.. كان شاهر عبد الحق يستخدم صفقاته الغامضة وخدماته المالية كأداة لاختراق نفس الدوائر في الشرق الأوسط.
و كان شاهر أيضاً على صلة وثيقة بأباطرة الأزياء والجمال في لبنان وقيل إنه كان الراعي الخفي لمسابقات ملكات الجمال كجزء من استراتيجيته لإبهار عملائه والترفيه عنهم في صفقاته الكبرى وكان جناحه الفاخر في فندق إنتركونتيننتال بمثابة صالون يستقبل فيه عارضات الأزياء والوجوه الجميلة.
ولم يكن دوره كـوسيط سلاح دولي أقل أهمية فقد كان آخر من التقى بالزعيم الراحل معمر القذافي من الشخصيات العربية ويُعتقد أن زيارته للقذافي في أيامه الأخيرة كانت لعقد صفقة سلاح وربما مرتزقة للدفاع عن نظامه.
الخلاصة.. لم تكن قوة شاهر عبد الحق في حجم شركاته بل في شبكة علاقاته الواسعة التي منحته نفوذاً هائلاً في المنطقة العربية وأفريقيا وكان نسخة شرق أوسطية من جيفري إبستين الذي بنى إمبراطوريته هو الآخر على شبكة علاقاته الغامضة وبنفس الطريقة و الأدوات والوسائل.
