صنعاء 19C امطار خفيفة

خارطة تكميم الأفواه: كيف تحولت المدن اليمنية إلى زنازين للكلمة؟

خارطة تكميم الأفواه: كيف تحولت المدن اليمنية إلى زنازين للكلمة؟

الكلمة في مواجهة الحصار الشامل

منذ انقلاب جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة في خريف 2014، لم تكتفِ قوى الاستبداد بمصادرة المجال السياسي والسيطرة على مقدرات الدولة، بل شنت حرباً موازية تستهدف "الحقيقة" وتكميم الأفواه.


ومع نهاية شهر يناير 2026، تتكشف ملامح تصاعد خطير في حوادث الانتهاكات التي طالت الصحافة خلال العام الماضي ومطلع العام الحالي؛ حيث تشكلت في اليمن خارطة قمعية معقدة، تتنافس فيها جماعة الحوثي الانقلابية مع السلطات في المناطق التابعة للحكومة الشرعية على وأد ما تبقى من هامش للحرية والرأي.
ورغم هذا المشهد القاتم، لا تزال نقابة الصحفيين اليمنيين تمارس دورها كحائط أخير عن كرامة الصحفيين، ولم تتركهم وحيدين في مواجهة آلات القمع، بل واصلت المقاومة عبر التنسيق والدفاع القانوني وإدانة الانتهاكات الواسعة التي يتعرض لها الصحفي/ة في سائر المدن اليمنية.

مسلحي حوثي

وإلى جانبها، برز الدور المحوري لـ المرصد اليمني للحريات الإعلامية في التوثيق، ومنظمة صدى لحماية الصحفيين التي أطلقت مشروعاً حيوياً لحماية الصحفيين والدفاع عنهم عبر مشروع ضمان "الحماية القانونية"، حيث قدمت مساعدات واسعة في عموم مدن اليمن، وتولت الترافع أمام المحاكم لتقديم الاستشارات والدفاع القانوني عن الإعلاميين، لتثبت هذه الكيانات أن التضامن المهني هو الدرع الأخير ضد التوحش السياسي.
خطورة هذه الانتهاكات لا تكمن فقط في تقييد أجساد المعتقلين، بل في الأثر النفسي والمهني العميق الذي خلفته؛ حيث خيم مناخ من الرعب دفع بعشرات الصحفيين إلى ممارسة (الرقابة الذاتية القسرية) أو التوقف التام عن الكتابة، خشية الملاحقة بتهم واسعة مثل 'العمالة' أو 'الخيانة'، مما أدى إلى تجريف شبه كامل للرأي العام المستقل.

صنعاء وذمار: "فوبيا سبتمبر" وتوظيف القضاء للتنكيل بالكُتَّاب

في مناطق سيطرة جماعة الحوثي الانقلابية، ارتفع منسوب القمع ليبلغ ذروته تزامناً مع ذكرى ثورة 26 سبتمبر؛ حيث يعيش الحوثييون حالةً من 'الفوبيا' تجاه أي صوت يذكّر بالجمهورية، مما يدفعها لتكميم الأفواه لاسيما تلك التي تنتقد ممارساتها. وقد انتقلت جماعة الحوثي الانقلابية ،في هذا السياق من مجرد الاعتقال إلى مرحلة 'التنكيل القضائي' عبر أحكام مسيسة؛ كما في حالة الكاتب الصحفي محمد المياحي (المعتقل منذ سبتمبر 2024)، والذي صدر بحقه مؤخراً حكم جائر بالسجن وغرامة 5 ملايين ريال من قبل إحدى المحاكم التابعة للحوثيين بصنعاء، في ظل رفض متعنت لقبول دفاع محاميه.

المياحي
ولم تتوقف هذه الموجة عند المياحي، بل امتدت لتطال أصواتاً جديدة إبان ذكرى الثورة في سبتمبر الماضي (2025)، حيث شنّ الحوثييون حملة اختطافات واسعة طالت الصحفي ماجد زايد والكاتب والشاعر أوراس الإرياني، في تكريس واضح لسياسة ترهيب الأقلام ومنع الاحتفاء بالرموز الوطنية.

ذمار: خنق الأقلام الأدبية وملاحقة الفكر


بعيداً عن المناسبات السياسية، تواصل جماعة الحوثي  في محافظة ذمار نهج التضييق المستمر على النخبة المثقفة، حيث تحولت المحافظة إلى ساحة لملاحقة الأدباء والكتاب والصحفيين في محاولة لتدجين الفضاء الثقافي .عبدالوهاب الحراسي:  الكاتب والناقد الأدبي الذي تعرض للاعتقال التعسفي لأكثر من مرة خلال عام 2025 ، مما يعكس رغبة الحوثيين في تغييب الأصوات التي تملك القدرة على النقد الفني والاجتماعي.

فؤاد النهاري
كما تعرض الصحفي فؤاد النهاري للتهديد  بالقتل عبر اتصال هاتفي وسط مدينة ذمار التابعة لجماعة الحوثي الانقلابية، في مايو 2025 ومحاولة عناصر مسلحة لاعتقاله من وسط منزله مرةً أخرى بعد أن تم اعتقاله مسبقاً في العام 2024ليكون ضحية أخرى لسياسة تكميم الأفواه التي ترفض وجود أي نشاط إعلامي لا يسبح بحمد الإنقلاب الحوثي.!
وتأتي هذه الاعتقالات كدليل إضافي على أن القمع الحوثي ليس مجرد رد فعل "موسمي"، بل هو استراتيجية ثابتة تهدف إلى إفراغ المجتمع من نخبته المؤثرة.

تجريف العقل ومحاولة القضاء للفكر

شمل القمع الأكاديميين لمنع أي تأثير فكري أو نقابي حيث أقدمت جماعة الحوثي على اعتقال المحامي عبدالمجيد صبرة  إبان ذكرى الثورة في سبتمبر الماضي (2025)،، ولم تستثني الأكاديميين حيث أقدمت على اعتقال الدكتور حمود العودي، والدكتور عبدالرحمن العلفي، وأنور شعب، في محاولة لإخلاء الساحة من أي صوت ناقد لممارستها الموصوفة بالإرهاب.

عبدالمجيد صبرة
وفي مؤشر على (موت الحياة المدنية) الممنهج، لا تزال أقفال جماعة الحوثي حاضرة على أبواب مقرات اتحاد أدباء وكتاب اليمن، المنظمة المدنية العريقة التي جُمّد نشاطها وصودرت فضاءاتها، لتتحول المؤسسات الثقافية من منارات للتنوير إلى مبانٍ مهجورة تحت وطأة القمع الذي يمارسه الإنقلاب الحوثي.!

تعز: "فزاعة العمالة" وعسكرة القوانين المدنية (يناير 2026)

وبالانتقال إلى تعز، نجد أن القمع اتخذ شكلاً مدفوعاً بخشية السلطات من تنامي الانتقادات التي تفضح جوانب التقصير والتقاعس في أداء الجهات الحكومية تجاه المواطن. ولإرعاب الأصوات الناقدة، يتم توظيف تهم "العمالة" كذريعة لإخضاع الفضاء العام وتمرير انتهاكات خطيرة من شأنها إضعاف هامش الحرية المتوفر في مدينة ـ تعز الواقعة ضمن الحكومة الشرعية.

أروى الشميري
تصعيد يناير 2026: أكدت الوقائع التي شهدتها المدينة في يناير الجاري مدى معاناة الصحفيين والناشطين، حيث شنت السلطات الأمنية في 12 يناير 2026 حملة ملاحقة واعتقالات طالت الناشطة أروى الشميري، والناشط عبدالله فرحان، وعبدالخالق سيف؛ ورغم الإفراج عنهم في اليوم ذاته، إلاّ أن الحادثة تكشف عن مدى العنف القائم ضد الصحفيين والناشطين
وسهولة اللجوء للاعتقال التعسفي كأداة للترهيب.
حصيلة انتهاكات 2025: لم تكن حادثة يناير معزولة، فقد سجلت تعز خلال عام 2025 سلسلة من التضييقات والانتهاكات الواسعة التي تراوحت بين الاحتجاز والاعتداء الجسدي والتهم السياسية المعلبة (كالتخوين والعمالة). وقد طالت هذه الانتهاكات قائمة من الصحفيين والناشطين، أبرزهم: (عمران الحمادي، هائل الشارحي، شيماء رمزي، أسامة كربوش، يزيد الفقيه، ورفيق العربي).

المخا: تضييق الساحل وتغييب النقد


لم تكن جغرافيا الساحل الغربي بمنأى عن مشهد التضييق؛ ففي 17 نوفمبر 2025، أقدمت قوة أمنية في مدينة المخا على اعتقال الصحفي عادل النزيلي واحتجازه على خلفية نشاطه الصحفي، في واقعة لاقت استنكاراً واسعاً من الأوساط الإعلامية والحقوقية.

عادل النزيلي
عدن: الإرهاب الإداري" والمداهمات العسكرية

وفي العاصمة المؤقتة عدن، يُمارس القمع عبر استراتيجية "الإخضاع" للمؤسسات الإعلامية المستقلة لتسير في ركاب التوجهات السياسية القائمة.
اقتحام المقرات: داهمت شرطة المنصورة مقر صحيفة "عدن الغد" واعتقلت رئيس تحريرها فتحي بن لزرق في سبتمبر 2025، بالتزامن مع الاعتداء على مكتب نائب وزير الإعلام حسين باسليم.

عدن الغد

وقد  اعتُقل الناشط مانع سليمان في مطار عدن في أغسطس 2025 لمنعه من السفر بسبب نشاطه الحقوقي.
وتمثل واقعة اعتقال الناشط مانع سليمان في مطار عدن، على خلفية نشاطه الحقوقي في مدينة مأرب، سابقة خطيرة تعكس نوعاً من (التنسيق القمعي العابر للمناطق والمناخات السياسية)؛ حيث تتجاوز سلطات الأمر الواقع خلافاتها لتتحد في ملاحقة الكلمة الحرة وتكبيد الصحفيين عناء المطاردة في جغرافيا منقسمة سياسياً لكنها موحدة في أدوات التضييق.
فيما واجه الصحفي عبدالرحمن أنيس استدعاءات من النيابة العامة بناءً على شكاوى كيدية في نوفمبر الماضي.

مأرب وحضرموت والمهرة: ملاحقة وتضييق

تعرض العديد من الصحفيين في هذه المدن للاعتقال والاستدعاء للاستجواب خلال العام 2025؛ حيث أقدمت قوات تابعة للجيش في مأرب على اعتقال الصحفي  حمود هزاع بعد مداهمة منزله، قبل أن يتم الإفراج عنه لاحقاً بتوجيهات من عضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ مأرب الشيخ سلطان العرادة.

حمود هزاع
وفي حضرموت، سجلت مدينة سيئون انتهاكات وُصفت بالتضييق الممنهج، تمثلت في "الاستدعاءات الأمنية" المتكررة في أكتوبر 2025 لمراسلي القنوات الفضائية (بلقيس، المهرية، يمن شباب)، في محاولة لعرقلة التغطية الميدانية والحد من حرية النشر. وفي ذات السياق، تعرض الصحفي مزاحم باجابر في مدينة المكلا للاعتقال من قبل السلطات المحلية على خلفية منشورات انتقد فيها قضايا الفساد في المدينة.

إلى ذلك، أدانت نقابة الصحفيين اليمنيين (فرع حضرموت والمهرة وشبوة) في بيان لها واقعة احتجاز الزميلعبدالجبار باجبيرأواخر يوليو 2025، مجددةً دعوتها للسلطات بضرورة توفير بيئة آمنة للعمل الصحفي والكف عن مضايقة أصحاب الكلمة.


الحقيقة لا تموت بالاعتقال

إن هذا التنافس المحموم بين المدن اليمنية على "تكميم الأفواه" خلال عام 2025 ومطلع 2026 يؤكد أن الصحفي اليمني بات يواجه خصوماً عابرين للولاءات. وأمام هذا التغول، تظل جهود نقابة الصحفيين، والمرصد اليمني، ومنظمة صدى هي الحصن الأخير الذي يمنع الاستفراد بالصحفيين ويقدم لهم السند القانوني في معركة البقاء المهني.

الكلمات الدلالية