صنعاء 19C امطار خفيفة

عبدالباري طاهر.. حارس الحرية التي تستحق أن تُحرس

عبدالباري طاهر.. حارس الحرية التي تستحق أن تُحرس

عبدالباري طاهر ليس سيرة صحفية تُروى، بل حالة أخلاقية تُعاش. رجل يشبه البلاد حين تكون في أقسى امتحاناتها، ويشبه الضمير حين يرفض أن ينام.. كلما اقتربت من كتابته شعرت أنك لا تقرأ نصاً بل تصغي إلى وطن يتكلم بصوت هادئ وعنيد. لا يرفع صوته لكنه لا يتراجع خطوة واحدة.

هو من أولئك الذين جعلوا الكلمة فعلاً قبل أن يجعلوها جمالاً، وموقفاً قبل أن يجعلوها رأياً. لا يكتب ليصف الواقع بل ليضعه في قفص المساءلة. لا يتعامل مع الصحافة كوظيفة بل كعهد شخصي مع الحقيقة. لذلك تبدو كتاباته وكأنها مكتوبة بمداد المسؤولية لا بحبر المطابع، وبصوت الإنسان لا بصوت المؤسسة.
منذ وقت مبكر أدرك أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بالصبر، وأن الصمت في زمن القهر ليس حياداً بل شراكة في الجريمة. لهذا لم يتعامل مع الكلمة كترف ثقافي بل كضرورة أخلاقية، وكحد فاصل بين أن تكون مثقفاً أو مجرد شاهد زور. عنده الصحافة ليست مهنة تُمارس بل موقف يُحمل، والكاتب ليس ناقلاً للأحداث بل شاهداً على معناها.
عبدالباري طاهر لم يجعل من الكتابة مساحة آمنة بل ساحة اشتباك هادئ. لم يهرب من التهديد، ولم يساوم حين ارتفعت كلفة الموقف. كان يعرف أن الكلمة الحرة لا تُكتب في مناخ مريح، وأن الحقيقة لا تحب الطرق المعبدة. لذلك ظل واقفاً في المنطقة الصعبة، حيث لا حماية سوى النزاهة، ولا درع سوى الوضوح.
مؤلفات عبدالباري طاهر
يرى أن الصحافة موقف قبل أن تكون مهنة، وأن الكاتب إما أن يكون شاهداً على عصره أو جزءاً من تزويره. لهذا كان حضوره في تاريخ الصحافة اليمنية حضور العمود لا الزينة، وحضور الضمير لا الديكور. لم يكن إضافة شكلية إلى المشهد بل كان جزءاً من بنيته الأخلاقية العميقة.
وحين ينظر إلى اليمن، لا يراه خريطة سياسية تتنازعها القوى، بل كائناً حياً يتألم ويخطئ ويحلم، وينتظر من يفهمه لا من يستثمر فيه. تحليلاته لا تقف عند سطح الحدث، بل تنزل إلى طبقاته العميقة. إلى علاقة السلطة بالإنسان، وإلى كيف يتحول القهر إلى ثقافة، وكيف يُختطف الوطن حين يُختطف الوعي. هو لا يكتب عن الحرب والسلام بوصفهما خبرين، بل بوصفهما امتحانين لكرامة الإنسان.
في كتبه «اليمن: الإرث وأفق الحرية» و«اليمن في عيون ناقدة»، لا نقرأ سياسة فقط، بل نقرأ أخلاق السياسة. لا نقرأ التاريخ بوصفه وقائع منتهية، بل بوصفه مسؤولية مستمرة. يمسك بالقيم قبل أن يمسك بالمواقف، وبالإنسان قبل أن يمسك بالشعارات. الكتابة عنده ليست لإرضاء أحد، بل لإزعاج الضمير حين يركن إلى الطمأنينة الكاذبة.
لغته لا تستعرض قوتها ولا ترفع صوتها. هادئة لكنها صارمة، بسيطة لكنها عميقة، واضحة لكنها مشحونة بالمعنى. لا يخدع القارئ بالبلاغة ولا يسكره بالخطابة. يضع الحقيقة أمامه صافية وصادمة، بلا أي تزيين، حتى تشعر بأن كل كلمة وزنها أكبر من أي جملة مزخرفة.
طاهر لا يكتب ليصنع ضجيجاً بل ليصنع أثراً. لا يبحث عن بطولة ولا يطلب اعترافاً، ولا يرتدي عباءة المناضل المحترف. يكتب كواحد من الناس، ومن أجل الناس، وباسم حقهم في أن يفهموا ما يجري حولهم دون تزييف. ولهذا تبدو كلمته أصدق من كثير من الخطب، وأقوى من كثير من البيانات.
في زمن امتلأ بالخطابات العالية والوعود الرخيصة، ظل عبدالباري طاهر يراهن على الجملة الصادقة، وعلى الفكرة النظيفة، وعلى الموقف الذي لا يحتاج إلى تبرير. يذكرنا دائماً بأن الكلمة الحرة ليست نصاً جميلاً، بل حياة تُعاش، ومقاومة تُمارس، ومسؤولية تُحمل.
عبدالباري طاهر ليس اسماً في تاريخ الصحافة اليمنية بل درساً مستمراً في معنى أن تكون مثقفاً. أن تكون مع الإنسان لا فوقه، ومع الحقيقة لا حولها، ومع الوطن لا باسمه فقط. هو نموذج للمفكر الذي لا يساوم، وللسياسي الذي لا يخون ضميره، وللمثقف الذي يعرف أن الحرية لا تُحرس بالشعارات، بل بالثبات اليومي على الموقف.
إنه حارس الحرية التي تستحق أن تُحرس.
الحرية التي تبدأ بالكلمة، وتستمر بالموقف،
ولا تكتمل إلا حين يصبح الإنسان أعلى من كل سلطة.

الكلمات الدلالية