وفاءٌ لما بعد الرحيل

رحلتَ بعد ما كنتَ شفقًا منيرًا. أمانةُ القول قولُ الرجال، بمنحنيات الزمان حين يصير الرحيلُ البعيدُ رحيلًا إلى دنيا الخلود. رحلتَ تاركًا لنا الحزن، ونحن نمرّ بزمنٍ ثقيلٍ يزيده رحيلك ثِقَلًا. زمانُنا بات زمنًا كئيبًا، وأصدقك القول: سيطول بعد رحيلك زمانُ طريقٍ كنتَ منيرَه. ويوم رحلتَ تركتَ لنا أسئلةً تبحث عن إجابات لزمنٍ عقيم.
أيام كنتَ حيًّا، كنتَ وجمعٌ أصيل، ترتّبون كل الحروف وتكتبون فصيحًا صحيحًا. الجمل تنسلّ بخفّة العارف من بين صليل الخلافات، نابعةً من صعوبات المسار. كنتَ ضمن فيلقٍ يمتلك مفاتيح صومعةٍ لحروفٍ تتدثّر حكمتها تارةً بصبر أيوب، وتارةً بالعناد. وكنتَ تسابق عنف الرياح إن حامت بأجواء البلاد طيورُ شططٍ ترمي همومًا وتهاجم من كل حدبٍ وصوب.
وكان الرفاق بين أخذٍ وردّ، وجدلٍ مقيت، وتبادل نظرات اعوجاج، حتى تهبّ على غفلةٍ زخّات مطرٍ تجود بها سماواتٌ لا حنين لها لأرضٍ قاحلة. لحظاتٌ ظامئة تشتهي نفطة ماءٍ رقراق، تجود بها عناصر من جنّات عدن، حاملةً من قاموس سبأ نبأً عظيمًا.
ولكن كما كنتَ تدرك، فإن المسالك كانت أصنافًا: إمّا مصابةً بالنسيان، أو بلغو الكلام؛ عباراتٌ مستقاة من أمّهات الحفظ، غير نابعة من عقلنة الفهم. والبون شاسع بين حفظٍ يقتل الجملة، وفهمٍ يثير الجدل ويجدّد مجرى الحياة.
رحلتَ بعد أن تركتَ بين القواميس مفرداتٍ تضيف لمن يريد الفهم قولًا أكيدًا. تقول لمن يحبّك: تسلّق حبال المشاق وجبال الصعاب، فرحلة الدهر لا ينجزها إلا من يدرك منحنيات الزمن ومنغّصاته، ويفقه أحلام وطنٍ يريد السفر إلى مشروع حلمٍ كبير.
وكنتَ الحليم حين حسمتَ بوعي إرادةٍ لا تلين. يوم كان ذهابك لمجرى السيل، سيل العرم، هندسةً لزمنٍ آتٍ، ومسارًا للسيول بين الجداول والقلوب. كنتَ راهب اللحظة الأمين، ترى ما لا يراه غيرك، ومن رافقك كان يراه نزهةً تعاد بعدها حسم الأمور.
من رافقك كان مجرّد غاوٍ، مشترٍ للحظة زمنٍ يشتهي بها صولجان مجدٍ زائف. أمّا أنت فكنتَ النبيل، مثل نبلاء رسموا معالم حلمٍ كبير، خطّوه بين الصخور والرمال والشعاب، وتسلّقوا أخاديد الجبال رغم الصعاب. وتلك، لعمرك، نادرةٌ من نوادر دهر اليمانيين.
تجلّت ساعات مخاضٍ قاهرة، تجاوزت كل المصاعب. أساريرها ضاحكة تفرح بحلمٍ منبثق من غياهب انتظار عيدٍ كبير. كنتَ صانع الحلم الحكيم، تعوّل على قدرات شعبٍ يحلم مثلك، يبحث عن سفينة نجاة رغم العواصف، تحمل أحلامه ليومٍ جديد.
كنتَ النيزك الوضّاء الذي أضاء لحظة الفرح الكبرى. جنّةٌ عرضها شمالٌ وجنوب، فيها عقول رجالٍ ونساء، وشبابٌ وصبايا، يحلمون بالآتي الجميل. كنتَ تحلم بالصدق، صادقًا بلا مساومة. راهنتَ على ابتسامة طفل، وعلى ضحكة طفلةٍ لوّحت من بعيد لنجمةٍ تنبثق من سماء شمسان وتعانق نجمة عيبان، تقول: هنا تولّدت لحظة وطنٍ جديد، وسيعود غدًا اليمن السعيد.
كنتَ الفارس النبيل، رمزًا وأيقونة. سنبلةً في العين، ووردًا على الأرض. وما زالت ذكراك عابرةً للزمان والمكان، صديقًا للحروف ووهجًا يلامس أحلام شعبٍ أنهكته الليالي.
أمّا غيرك، فخانوا العهود ودفنهم الدهر على قارعة الطريق. فماذا نقول بعد الرحيل؟ نقول: دخلتَ تاريخ البلاد من أوسع أبوابه، وبقيتَ نبراس حلمٍ لا ينطفئ.
كنتَ الهلال الخصيب؛ ما مات ما زرعت، وما زالت الجذور ثابتة شمالًا وجنوبًا. اسمك يتردّد في الوديان والجبال والسفوح. ثناءٌ صادق، لا تدليس فيه ولا تملّق، عزف قلبٍ لمن صنع مجدًا لا يزول.
عنّا رحلت، وبقي اسمك علي سالم البيض علمًا مرفوعًا ونجمةً خفّاقة في القلوب.
سلامٌ عليك أيها الراحل الباقي.
سلامٌ يوم وُلدت، ويوم رحلت، ويوم مضيتَ إلى جنّةِ الرحمن الرحيم.