حرب الأيام القادمة بين الإذعان الإيراني و(لعبة الإعصار) لأمريكا
هل ستغامر امريكا بضرب أيران كما أدعت؟ تُعد ثنائية "هيمنة القوة" و "قوة الهيمنة" المحور المركزي الذي يدور حوله النظام العالمي المعاصر. من منظور سوسيولوجي، لا يمكن اختزال الدور الأمريكي في مجرد جيش جرار أو اقتصاد ضخم؛ بل نحن بصدد بنية كلية أعادت صياغة مفهوم الواقع السياسي لدى البشرية.
في علم الاجتماع السياسي، يميز أنطونيو غرامشي بين السيطرة (Domination) والهيمنة (Hegemony). فالقوة الأمريكية الصادمة لا تكمن في قدرتها على تدمير المدن، بل في قدرتها على جعل نموذجها الثقافي والسياسي هو المنطق السليم الوحيد الممكن.
لقد نجحت الولايات المتحدة في تحويل قيمها (الفردانية، الاستهلاك، الليبرالية) من خيارات ثقافية إلى قوانين طبيعية. كونه عندما يتبنى العالم نمط الحياة الأمريكي، فهو لا يخضع لإملاءات واشنطن، بل يمارس عبوديته الطوعية ظناً منه أنه يمارس حريته.
في سوسيولوجيا الرعب السياسي تمثل القوة أداة للضبط الرمزي، وتمثل القوة العسكرية الأمريكية "العين الرقيبة" في البانوبتيكون العالمي فوجود الأساطيل في المحيطات ليس للقتال الدائم، بل لبث حالة من الانتظار القلق، لذا عندما تسقط دول كفنزويلا في قبضة القوة الأمريكية كحل للانهيار الاقتصادي والأزمة الأمريكية، يجعلنا نفكر هل ضرب إيران موجه لإيران وحدها أم بوابة لدول أخرى، أم محاصرة التنيين الصيني.
هذه القوة تحاول أيهام الكل بأنها تعمل كآلية ضبط اجتماعي دولي؛ حيث تدرك الدول أن الخروج عن نص الهيمنة، يعني النبذ الاقتصادي أو الوصم الأخلاقي قبل التدخل العسكري. الصادم هنا هو أن هذه القوة أصبحت افتراضية وحاضرة في آن واحد، مما يلغي فكرة السيادة الوطنية للدول ويحولها إلى وحدات إدارية ضمن النظام الإمريكي.
لذا ستعمل الولايات المتحدة على خيارين لضرب أيران أما أولاً: تغيير داخل النظام الإيراني نفسه بأن يقود أحد أجنحته انقلاب في المؤسسة الأمنية، ومنه تتجزأ المكونات لتقود صراعاً على السلطة والنفط وبذلك ينهار البرنامج النووي دون حرب، والثاني: ضربة محتملة هنا المجازفة لن تكون إيرانية إنما وامريكية أيضاً في ظل رفض بعض الدول العربية المشاركة أو استخدام أراضيها لضرب لإيران، وهل ستقف الصين تلعب دور المتفرج؟ ما المتصور لمثل هذا السيناريو في إعادة رسم الخارطة السياسية في اليمن؟
تتبنى طهران حالياً ما يمكن تسميته "الإذعان المشروط" أو "الصبر الاستراتيجي النشط". فهي تحاول امتصاص الضغوط القصوى -الاقتصادية والسياسية- دون الانكسار الكامل، معتمدة على عقيدة "القلعة المحصنة" بتحويل الداخل الإيراني إلى شبكة معقدة من منصات الإطلاق المخفية، مما يجعل أي ضربة أمريكية مكلفة وغير حاسمة. كما تلوح إيران بالاستقرار الإقليمي وبأن أي استهداف مباشر لقيادتها سيؤدي إلى صراع شامل وكارثي يمتد من مضيق هرمز إلى البحر المتوسط، وهو ما تسميه فخ الالتزام لإجبار واشنطن على التراجع، أدركت المملكة العربية السعودية هذا متاخراً فلجأت لدعم الشرعية في جنوب اليمن حتى لا تبقى محاصرة بين النيران الإيرانية من طرف والأمريكية الاسرائيلية من طرف، فإغلاق مضيق هرمز يعني إغلاق الطوق شرقاً وانفصال جنوب اليمن يعني إغلاق مضيق باب المندب جنوباً، وهنا لن يكون لديها سوى الإذعان كإيران مستقبلاً.
في المقابل، تمارس واشنطن "لعبة الإعصار"، وهي استراتيجية "ترامب" الجديدة التي تهدف إلى خلق حالة من الفوضى المنظمة والضغط المتسارع من جهات متعددة كالحرب الهجينة: الجمع بين الحشود العسكرية الضخمة في الخليج وبين تحريك الشارع الإيراني عبر استغلال الاحتجاجات الاقتصادية.
والغموض التكتيكي: ترك كل الخيارات على الطاولة (من الاغتيالات النوعية والهجمات السيبرانية إلى الضربات الجوية الخاطفة) لإبقاء القيادة الإيرانية في حالة استنزاف ذهني وعسكري دائم، إلى جانب الخنق الاقتصادي: لمحاولة الوصول بالنظام إلى نقطة الانفجار الداخلي دون الحاجة لغزو بري شامل، وهو ما يفسر حدة الخطاب الأمريكي مؤخراً.
سيناريوهات الأيام القادمة: المنطقة الآن تقف أمام ثلاثة مسارات محتملة، أولاً: سيناريو الاحتكاك المحسوب من ضربات متبادلة محدودة (مثل استهداف قواعد أو سفن) دون الانزلاق لحرب شاملة، للحفاظ على ماء الوجه لكل طرف.
ثانياً: سيناريو "الخطأ القاتل": أن تؤدي أي عملية (سواء كانت محاولة اغتيال أو ضربة لمنشأة نووية) إلى رد فعل إيراني واسع يشعل فتيل حرب إقليمية لا يمكن احتواؤها.
ثالثاً: سيناريو "الصفقة تحت النار": أن يؤدي الضغط العنيف (الإعصار) إلى دفع إيران نحو مفاوضات اضطرارية لتجنب انهيار النظام، وهو الرهان الأساسي للإدارة الأمريكية الحالية.
الخلاصة إن الحرب القادمة ليست مجرد طائرات وصواريخ، بل هي صراع على "النفس الأطول". إيران تراهن على أن أمريكا لا تستطيع تحمل كلفة حرب طويلة، بينما تراهن أمريكا على أن النظام الإيراني لا يستطيع تحمل كلفة الضغط الداخلي المتزامن مع التهديد الخارجي، وإنه يمكن إنهائه بضربة خاطفة، وهو الأكثر احتملاً حيث قد نشهد نظام بديل في إيران خلال الأربعة الأشهر القادمة.