صنعاء 19C امطار خفيفة

هل يمكن رؤية الصوت؟

نحن نسمع الصوت بشكل يومي، ونتعامل معه كأمر بديهي، لكن فكرة رؤيته تثير تساؤلًا فلسفيًا وعلميًا في آن واحد. من الناحية الفيزيائية، الصوت ليس جسمًا ماديًا يمكن للعين التقاطه، بل هو موجة ميكانيكية تنتقل عبر اهتزاز جزيئات وسط معين مثل الهواء أو الماء أو الزجاج. لذلك، لا يمكن رؤية الصوت نفسه مباشرة، لكن يمكن رصد آثاره إذا توفرت أدوات قياس مناسبة.

عندما يتكلم الإنسان، تهتز الأحبال الصوتية، وتنتقل هذه الاهتزازات إلى الهواء المحيط على شكل موجات ضغط متعاقبة. هذه الموجات لا تختفي عند وصولها إلى الأذن فقط، بل تصطدم بكل ما حولها من أسطح وأجسام، من الجدران والنوافذ إلى المصابيح والأثاث. عند هذا الاصطدام، تُحدِث الموجات الصوتية اهتزازات ميكانيكية دقيقة للغاية في تلك المواد، غالبًا أصغر من أن تلاحظها العين البشرية.
العين الإنسانية غير قادرة على رؤية هذه الاهتزازات لأن سعتها صغيرة جدًا مقارنة بحساسية البصر، إلا أن هذه الاهتزازات موجودة فيزيائيًا وتحمل في داخلها كامل المعلومات الصوتية الأصلية. وهنا يأتي دور الفيزياء البصرية وأدوات القياس الدقيقة التي طوّرها العلماء لرصد ما لا يمكن رؤيته مباشرة.
من بين الطرق العلمية التي مكّنت الباحثين من "رؤية" آثار الصوت، تقنية تصوير شلييرن، التي تُستخدم لإظهار التغيرات في كثافة الهواء الناتجة عن الموجات الصوتية القوية. تعتمد هذه التقنية على حقيقة أن تغير كثافة الهواء يؤدي إلى تغير معامل انكساره، مما يسمح بتحويل الموجات غير المرئية إلى أنماط ضوئية يمكن تصويرها. تُستخدم هذه الطريقة في المختبرات العلمية ودراسة الظواهر الديناميكية السريعة.
لكن التقنية الأكثر ارتباطًا بالتطبيقات العملية والحساسة هي قياس الاهتزاز باستخدام الليزر. في هذه الطريقة، يُسلَّط شعاع ليزر على سطح ما، كنافذة زجاجية أو جسم مضيء داخل غرفة. عندما تصل الموجات الصوتية إلى هذا السطح، فإنها تجعله يهتز بمقادير متناهية الصغر. هذه الاهتزازات تُغيّر خصائص الضوء المنعكس، سواء في الطور أو التردد، ويمكن لأجهزة دقيقة للغاية تحليل هذه التغيرات وإعادة تحويلها إلى إشارة صوتية مفهومة.
هذا المبدأ العلمي المعروف باسم قياس الاهتزاز الليزري باستخدام تأثير دوبلر يثبت أن الضوء يمكن أن يتحول إلى وسيط غير مباشر لسماع الصوت. فبدلًا من التقاط الصوت نفسه، يتم التقاط أثره الميكانيكي على المادة، ثم ترجمة هذا الأثر رياضيًا إلى كلام أو موسيقى أو ضوضاء.
انطلاقًا من هذا المبدأ، ظهرت تطبيقات عملية، بعضها في المجال الصناعي والعلمي، وبعضها في مجالات أكثر حساسية مثل الاستخبارات التقنية. فقد ثبت تجريبيًا أنه يمكن إعادة بناء الحديث داخل غرفة مغلقة من خلال قياس اهتزازات زجاج النوافذ أو حتى تغيرات ضئيلة في الضوء المنبعث من أجسام داخل الغرفة، دون الحاجة إلى وجود ميكروفون تقليدي.
من الناحية النظرية، يمكن لأي مصدر ضوء في الغرفة أن يحمل أثرًا غير مباشر للصوت، لأن الصوت يؤثر على الأجسام المحيطة التي بدورها تؤثر على الضوء الصادر أو المنعكس عنها. لكن من الناحية العملية، يتوقف نجاح ذلك على عوامل عديدة، منها حساسية الأجهزة، وجود ضوضاء بيئية، طبيعة السطح المهتز، وشدة الصوت نفسه. لذلك، لا يمكن اعتبار كل مصدر ضوء أداة تنصت، لكن يمكن القول إن كل جسم مهتز يحمل معلومة فيزيائية قابلة للقياس.
هذا الواقع يفتح بابًا أوسع للتفكير في مفهوم الخصوصية في العصر الحديث. فالخصوصية لم تعد مرتبطة فقط بما يُسمع مباشرة، بل بما يمكن استنتاجه من الاهتزازات والآثار الثانوية. ومع ذلك، تبقى هذه التقنيات معقدة وتتطلب تجهيزات وخبرات متقدمة، ولا تُستخدم عشوائيًا في الحياة اليومية.
في الخلاصة، لا يمكن رؤية الصوت بمعناه المباشر، لكنه يترك آثارًا مادية دقيقة يمكن للعلم أن يكشفها. الضوء، الذي نراه رمزًا للرؤية، يمكن أن يتحول إلى أداة "استماع" غير مباشرة عندما نحلل تفاعله مع المادة المهتزة. وهكذا، يتبين أن ما يبدو خيالًا علميًا هو في حقيقته تطبيق صارم لقوانين الموجات والضوء.
الصوت لا يُرى، لكنه يترك أثرًا، والفيزياء تعلمنا كيف نقرأ هذا الأثر كما نقرأ ظلًّا صامتًا يحمل قصة كاملة.
باحث في فيزياء الليزر والأطياف ، ألمانيا

الكلمات الدلالية