القمندان
أحمد فضل بن علي محسن القمندان، ابن سلطان، وأخ سلطان.. حين لامه أخوه السلطان فضل على تقصيره في الاهتمام بشؤون حكم السلطنة، ومخالطة بسطاء الناس من العامة، والالتهاء بالشعر والطرب والموسيقى، عما دونها، قال له في ما قال: أنا أؤسس لملك يدوم ألف عام.. ومنه أصرف على المحتاجين حتى وأنا داخل قبري..!
كتب أعظم قصائده وأيقونة مجده "هيثم عوض قال"، وهي في نظر كثيرين، وأولهم عبدالله هادي سبيت الذي غناها بعد ذلك بوقت، أعظم ما أنتج القمندان، حتى إنه قال: تمنيت أن أكون أنا كاتبها!
شكرًا للأخ الصديق الأستاذ عبدالله الحنكي، على ما ورد في منشوره القيم، مع نص كلمات تلك القصيدة، وما صحبها من معلومات شيقة، اقتبست منها تلك المعلومة، وقد أثارت تلك القصيدة جدلًا حول مؤلفها، أراد التشكيك في نسبتها للقمندان، لكن ذلك كان لغوًا وهراء يفتقر إلى أبسط الأدلة، لأنه حتى لم يقدم اسمًا بديلًا لمؤلفها الحقيقي القمندان..
أحمد فضل كان فلتة في الزمان والمكان، كان أكبر من كلام الناس، واوسع من خارطة البلدان، وأعظم من أسس لعصر جديد لفن الطرب، وطرب الفن.. عاصر أمير الشعراء في مصر أحمد شوقي، وبمناسبة إعلانه أميرًا للشعراء أهداه قلمًا ذهبيًا مازال معروضًا ضمن مقتنيات أحمد شوقي في متحفه بمصر.
علاوة على كونه عبقرية فنية لا تبارى، فهو خبير زراعي رائد لم يسبقه غيره في الزراعة.. أدخل إلى لحج محاصيل ومنتوجات زراعية في الفواكه والخضار، ما كانت معروفة من قبل في بلادنا.. وجعل من الحسيني روضة من رياض الدنيا، كأنها جنة صغيرة.. للزراعة وكذلك للفن.. هل أسمعك فضل يومًا في الغنا ما أعاني؟ ويلي، هب للأحبة ثم، قل لهم مهما البعد عنهم طال إن الوصل شيء محتم! هات لي خبرتي واسلم.. مابا النحاس أو مكرم، أوه أوه.. منك يا عسل صافي جرداني شفاء وافي للقاصي وللداني، باشربه من المبسم فما ماء الكاسات يرويني، حالي يا عسل نوب.. من منا يسمع أغاني القمندان ولا يهتز طربًا ويتمايل؟ من يقرأ كلماته ولا يهيم عشقًا.. ويتعلم كيف يكون الحب؟ لا يجهل القمندان إلا الميتون.. فهو يبعث فينا الحياة حتى من العدم.. كل من جالس القمندان واقترب منه لمسته تلك العصا السحرية للفن، وصاروا أعلامًا.. من أولهم وإلى آخرهم، الرائع فيصل علوي ولد بالقمندان وعاش به ومات عليه، وما دون ذلك ليس سوى سقط متاع.
حين دس دعاة المعرفة للرئيس سالم ربيع علي سالمين، أن القمندان يحث الناس على التبطل وترك العمل ومناوأة أمير برجوازي لدولة البدوتاريا في اغنيته هيثم عوض، قال ريت الأرض في ودرة.. أي فلتذهب الأرض إلى الجحيم بفلاحيها، غضب الرئيس، وأدان الأغنية في كلمة ضمن خطاب ألقاه في العمال والفلاحين والبدو الرحل.. وقام الاتباع بمنع إذاعة الأغنية من الراديو، ووضعوا إشارة× على غلاف شريط الأغنية لمنعها.. ونظروا بريبة إلى باقي تراث القمندان! لكن الحقيقة تبدت بعد حين.. نضج الرئيس بعدها، فالسلطة تعلم صاحبها بعد كل شيء.. وبصمت تراجع ربيع عن كلامه.. ثم إنه لم يصرح بوضوح بمنع الأغنية أو غيرها.. ما هي إلا اجتهادات الأتباع السيئة المسيئة..
وصدحت أغاني القمندان مغردة محلقة في سماواتنا العليا.. يا دار ما إحنا أحجار.. تناسل تلاميذ القمندان يتصدرهم صوت فيصل علوي.. عادني عادني، بيت لي راعد وبا مطرة تجلي المكنون، وادانه على امدانه، با عمبر من أبين، با اتبخر لي وبا اتشمم، باشم العسل واطعم، حالي يا عسل نوب.
كباذنجانة في البعيد، ومنجاية هنا، وهناك قلبي.. في الحسيني جناين والرمادة زراعة.. ريتك يا هلي زارت يوم تدعيني!
جاء القمندان وانتشر وتمدد، عم كل الأرجاء.. جاء ليبقى.. مثل الخلود الذي صنع منه ليدوم إلى يوم الدينونة.