شيرين عبادي وسيرة الأمل المكسور في إيران
هناك كتب تُقرأ على عجل وهناك كتب تُنصت لها كما لو أنها تُروى همساً في أذن التاريخ. كتاب شيرين عبادي الحائزة على نوبل للسلام "إيران تستيقظ - مذكرات الثورة والأمل" ينتمي إلى الفئة الثانية. ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي بل نص متعدد الطبقات، سياسي واجتماعي ونفسي، يشتبك مع التاريخ الإيراني لا بوصفه سرداً خطياً بل كحالة تشظٍّ دائم، ويقوّض السرديات الرسمية التي حاولت اختزال الثورة في أسطورة واحدة بينما كانت في الواقع أكثر تعقيداً وأكثر قسوة.
منذ الصفحات الأولى تأخذنا عبادي إلى طفولتها، حيث تبدو إيران نفسها طفلة تقف على حافة زمن مضطرب. طفولة شخصية تتقاطع مبكراً مع طفولة وطن، قبل أن تتدحرج الحكاية إلى لحظة الثورة الخمينية عام 1979، تلك اللحظة التي لم تكن انفجاراً للأمل فقط بل بداية صراع طويل بين القانون والأيديولوجيا، بين الوعد والخذلان. الثورة هنا لا تُقدَّم كحدث منجز بل كدراما مفتوحة، تداخلت فيها الأحلام الشعبية مع قبضة السلطة، وتحول فيها الحلم بالعدالة إلى اختبار قاسٍ لمعنى العدالة ذاته.
ما يميز الكتاب أن عبادي لا تكتب بلغة المذكرات الجافة ولا تقع في فخ التوثيق البارد. لغتها راقية، هادئة، لكنها مشحونة بدلالات إنسانية وسياسية عميقة. تسرد حكاية طفلة في طهران، ثم قاضية شابة، ثم ناشطة حقوقية مطاردة، في مسار لا يخضع لتتابع زمني سهل لأن الثورة نفسها لم تكن حدثاً على ساعة التاريخ بل ضربة طالت الزمن الاجتماعي كله: المرأة، القانون، القيم، ومعنى الدولة.
تتوقف عبادي عند اللحظة الفاصلة التي غيّرت حياتها المهنية حين قررت السلطة الدينية أن النساء لا يصلحن ليكن قاضيات. قرار واحد لكنه كافٍ لتحطيم مسار كامل. ومع ذلك لا يبدو النص مرثية شخصية بل شهادة على صلابة أخلاقية نادرة. فالإقصاء لم يكسر إيمانها بالعدالة ولم يُخمِد إرادتها في الدفاع عن الحق. يتحول الحق في هذا السياق من قيمة قانونية إلى فعل مقاومة يومي، وتتحول العدالة إلى تحدٍّ مباشر في مواجهة سلطة ترى القانون أداة طيّعة بيد الأيديولوجيا.
كل صفحة في الكتاب تمنح القارئ إحساساً بأنه ليس مجرد شاهد على وقائع بعيدة، بل طرف في فهم خباياها. نرى كيف يصطدم النظام بالشارع، وكيف تنقلب الثورة إلى موجة اغتيالات سياسية قبل عهد خامنئي وبعده، وكيف يتنقل التاريخ الإيراني بين حرب العراق وإيران، وصراعات النفوذ، وحدود الدم، بينما يتعلم المواطن العادي فنون البقاء، البكاء بصمت أو الابتسام اتقاء لبطش قانون لم يعد يحميه.
لا يغفل النص عن منظمة مجاهدي خلق ولا عن تعقيدات المعارضة، ولا عن الحرب الإيرانية العراقية التي تكاد تكون الخلفية المسرحية الدائمة لكل حدث داخلي. هكذا يتجاوز الكتاب كونه سيرة شخصية ليغدو توثيقاً حياً لتاريخ إيران الحديث، من دهاليز القضاء إلى الشارع، من الاغتيالات إلى المفاوضات، من القمع إلى مساحات الأمل الهشة.
السرد عند عبادي مزيج متوازن من التجربة الذاتية والتحليل السياسي والاجتماعي. التاريخ لا يُستعاد هنا عبر تواريخ وأسماء بل كمشهد حي. وعود، خيبات، قمع، صمود، أمل يتراجع ثم يعود. الأسلوب يبدو بسيطاً على السطح لكنه مشحون بإيحاءات تدفع القارئ إلى التفكير النقدي وتمنحه مساحة للتأمل في معنى السلطة وحدود القانون وهشاشة الحلم السياسي.
الأهم أن عبادي لا تكتب عن النظام وحده بل عن الإنسان الإيراني، عن النساء اللواتي أُغلقت طموحاتهن بمواد قانونية قليلة، وعن مجتمع حاول مقايضة الحرية باستقرار ظاهري، وعن ثمن هذه الصفقة الباهظ. إنها رواية عن الثورة بوصفها حلماً بالعدالة، وعن الخيبة حين تُختطف الثورة، وحين يصبح القانون خادماً للأيديولوجيا لا حارساً للإنسان.
القارئ لا يخرج بسيرة ذاتية بل برؤية سياسية وأخلاقية واضحة، الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، الحقوق لا تُقاس بالمناصب بل بالشجاعة على المطالبة بها. والأمل ليس حالة شعورية بل فعل مستمر في مواجهة واقع معادٍ.
هكذا، لا يعود الكتاب حكاية عن إيران فقط بل مرآة لكل مكان يتصارع فيه الإنسان مع السلطة، ولكل مجتمع ينهار فيه القانون أمام العقيدة المغلقة. إنه كتاب عن الثورة كأمل، وعن الأمل كثورة لا تنتهي، وعن الفرد الذي يرفض أن يكون متفرجاً على التاريخ، ويصرّ على أن يصنع موقعه فيه مهما كانت الخيبات موجعة.
الكتاب ليس مذكرات وحسب بل مفتاح لفهم إيران ما بعد الثورة، ودعوة للتأمل في معنى أن تبقى حياً داخل زمن معادٍ. كتاب يذكّرك أن الثورات لا تُكتب في القوانين ولا في الخطب الرسمية، بل في تفاصيل الشارع، وفي الشارع الداخلي للقلب البشري، حيث يصبح الأمل فعل مقاومة، حتى عندما يحاول التاريخ نفسه أن يسخر منك.