صنعاء 19C امطار خفيفة

الصراع السعودي الإماراتي... واليمن خارج المعادلة

التحركات السعودية الأخيرة، أو الخطاب الذي ألقاه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، لا تمثل تعبيرًا عن تحوّل جوهري في الموقف من اليمن، ولا انحيازًا مفاجئًا لمعاناة شعبه، بقدر ما تعكس نتيجة مباشرة لتغيّر ميزان الكلفة في حرب طال أمدها أكثر مما خُطّط له. ما جرى ليس إعادة تعريف للصراع، بل إعادة حسابات وترتيبات ما بعد الحرب والهدنة. أما اليمن، فمازال منذ اندلاع الأزمات ساحة تتقاطع فوقها المصالح، لا أحد شريكًا في صياغتها إلا ذوي المصالح والولاءات دون الولاء للوطن وشعبه.

خطاب العليمي، الذي استعاد لغة السيادة والقرار الواحد، جاء في لحظة إقليمية حساسة، ولم يكن موجّهًا للداخل فقط، بل للخارج أيضًا، ليمنح غطاءً قانونيًا وسياسيًا لتحوّل يجري فرضه بهدوء.
السعودية، التي وجدت نفسها أمام خطر انفلات المشهد في مناطق الثروة والمنافذ، أعادت الإمساك بورقة الدولة، لا بدافع إنقاذها، بل لمنع انهيار شامل قد يهدد أمنها ومشاريعها، ومكانتها الإقليمية.
في المقابل، فإن تراجع الدور الإماراتي لم يكن تنازلًا سياسيًا ولا استجابة لخطاب "الشرعية"، بل كان إدراكًا متأخرًا بأن الحرب تحولت إلى عملية استنزاف حقيقية، خصوصًا بعد انتقال المواجهة إلى البحر، واستهداف السفن وخطوط الإمداد، عند هذه النقطة وهم كانت مهمتهم بكل بساطة مكافحة الإرهاب التي في أية لحظة يمكن إيقاظها وبشكل بشع، فانسحابها من أجل ارتفاع الكلفة، ليس هذا فحسب، بل ضرورة لحماية المصالح، وفي مقدمتها الموانئ التي تسعى الإمارات للاستحواذ عليها، والسمعة التجارية.
هذا التحول انعكس مباشرة على أدوات الصراع المحلية. المجلس الانتقالي الجنوبي وحلفاؤه، الذين عارضوا انسحاب الإمارات من جنوب اليمن، وجدوا أنفسهم أمام مأزق مزدوج. الاستمرار في التصعيد يعني صدامًا بلا غطاء، والتراجع يعني سقوط الخطاب الذي بُني عليه المشروع. وهنا تحولت القضية الجنوبية، العادلة في أصلها، إلى ضحية اختزالها في كيان مسلح ارتبط بمشاريع تفكيك خارجية. فعندما تُربط القضايا الوطنية بالبندقية والعمالة، يصبح أي تراجع عسكري هزيمة سياسية كاملة، وتتحول المشاريع إلى أوراق محروقة بمجرد تغيّر المزاج الإقليمي.
السعودية، في المقابل، لا تتحرك بدافع الوحدة كشعار، ولا الانفصال كفزاعة، بل بدافع المصالح الاستراتيجية. حضرموت، المهرة، والمنافذ البرية والبحرية ليست ملفات سيادية فقط، بل أوراق اقتصادية وأمنية تُدار بما يخدم الرياض وحلفاءها، على حساب ما يقارب أربعين مليون يمني، في الداخل والشتات. ما يهم السعودية هو منع خروج هذه المناطق عن دائرة نفوذها غير المباشر، وضمان حد أدنى من الاستقرار يحمي مشاريعها، لا مستوى يسمح لليمن بالنهوض كدولة مكتملة يعيش فيها المواطن بكرامة.
أما الحديث عن السلام، فيبقى معلّقًا. المسار مع الحوثيين يُدار في الخفاء، بلا إعلان حرب ولا توقيع سلام. لا ملفات إنسانية أُغلقت، ولا دولة أُعيد بناؤها، وتدار المصالح بينها وبين إيران في الخفاء، لذلك اليمن يُدار كحالة مؤقتة دائمة، تُضبط فيها مستويات العنف، ويُترك الجرح مفتوحًا، سواء في لحظة انفجار أو أثناء إعادة ترتيب المصالح.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: ماذا بعد خروج الإمارات أو إعادة تموضعها عبر حلفائها؟
هل نحن أمام فرصة حقيقية لبناء مؤسسات الدولة، وتعزيز السلام، وإنهاء اقتصاد الحرب؟ أم أننا أمام انتقال اليمن من تعدد الرعاة إلى وصاية واحدة أو اثنتين، مثل السعودية وإيران، وربما سلطنة عمان، في نموذج أكثر هدوءًا وأطول أمدًا، يُدار تحت مسميات "الدعم" و"الملف الإنساني"، دون حقوق مستدامة، وبما يخدم شبكات نفوذ حزبية، في مقدمتها حزب الإصلاح وحلفاؤه من قوى أيديولوجية وقومية ويسارية مؤدلجة مختلفة، لا المواطنة ولا الكفاءة.
الخطر الحقيقي لا يكمن في النفوذ الصريح، بل في الانتداب غير المعلن. دولة تُدار سيادتها من الخارج، اقتصادها عبر المساعدات، وسياساتها عبر التهدئة. دولة لا تُقسَّم رسميًا، لكنها تتمزق على الأرض، ولا تُستعاد أيضًا. في هذا النموذج، يتحول اليمني إلى ملف إغاثي، في الداخل والشتات، تُدار حقوقه عبر المنظمات، وتُقيَّد فرصه في التعليم والعمل والتمثيل، بينما تُمنح الامتيازات لشبكات الولاء والانتماء، لا للمواطنة المتساوية.
مصلحة الشعب اليمني لا تتحقق بخروج طرف إقليمي ودخول آخر، ولا بخطابات سيادية غير مسنودة على الأرض. تتحقق فقط بإنهاء منطق الوصاية كله، وبناء دولة بمؤسسات حقيقية، وعدالة، واقتصاد يعمل، وحقوق متساوية لليمنيين أينما كانوا. لا دولة تعيش على الإنعاش الإنساني، وتُسمّي ذلك استقرارًا!
ما بعد صراع الإمارات والسعودية من أجل المصالح، ليس نهاية الصراع، بل اختبار جديد. إما بداية مسار شاق نحو الدولة، أو تكريس لوضع أقل عنفًا وأكثر تحكمًا. الفرق بين الاحتمالين لا تصنعه البيانات ولا التحالفات، بل قدرة اليمنيين على رفض دولة ناقصة السيادة، حتى لو قُدّمت لهم في غلاف السلام.
أما عن "الانسحاب الإماراتي"، فالمفاجأة في الإعلان لا تعكس تفكيكًا حقيقيًا للمشهد، بقدر ما توحي بإعادة تموضع و تقليص الظهور المباشر فقط، وترك إدارة النفوذ لأدوات محلية أُنشئت سابقًا، بكلفة أقل ومرونة أعلى. في هذا السياق، يصبح الانسحاب شكلًا من أشكال إعادة الانتشار، لا مغادرة حقيقية للمسرح.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن استبعاد أن يفتح التقارب السعودي الإيراني الباب أمام صيغ تفاهم غير معلنة، قد تشمل إعادة دمج قوى محلية متناقضة ظاهريًا، كالإصلاح والحوثيين، ضمن ترتيبات بالوكالة. ليس بالضرورة عبر تحالف مباشر، بل من خلال تقاطع مصالح، وتهدئة محسوبة، وإعادة توزيع أدوار تُبقي نهوض اليمن معضلة مؤجلة، تُدار بالأزمات لا تُحل.
كل ذلك يتم تحت إشراف "مستشارين" يصنعون الواجهات، ويقررون من يملك حق العيش الكريم داخل البلاد وخارجها، ومن يُقصى، ضمن سقف مُدار بدقة، تُدمج الخصومات داخل منظومة ضبط إقليمي، لا داخل مشروع دولة.

الكلمات الدلالية