صنعاء 19C امطار خفيفة

شاعر الرماد

شاعر الرماد

إهداء:

إلى ابن الصَّلو... نجيب. أينما كنت... سلامٌ عليك.

عندما قرأتُ نصّ المبدع عبد الكريم الرازحي "حكايتي مع عجلة القمار" (أبو الروتي)، لم أشعر أنني أقرأ سيرة كاتب فحسب، بل كأنني أفتح نافذة على زمنٍ منسيّ، وأتلمّس وجعًا مألوفًا، يتجلى في وجهٍ أعرفه جيدًا... وجه صديق الطفولة، نجيب الصلوي.

جاء نجيب من "الصَّلو" إلى تعز، يحمل في قلبه حلمًا صغيرًا، وفي يده كيسٌ لا يضمّ سوى ثوبه الوحيد. وجهه الأسمر لفحته شمس الجبال، وعيناه تجمعان بين براءة الريف وحذر المدينة.
اشتغل في فرن الروتي الواقع تحت بيت عاقل حارتنا السياني، بالقرب من حوض الأشرف. كان ينام في زاوية الفرن على كراتين مفرودة تفوح منها رائحة الدقيق والرماد؛ تلسعه برودة الشتاء ليلًا، وتخنقه حرارة الفرن نهارًا. كان واحدًا من أبناء "الصَّلو" الذين جعل بعضهم من هذه المهنة الشاقة بابًا للرزق والكرامة.
يبدأ عمله مع بزوغ الفجر، حين يلفّ الليل المدينة بردائه الأسود. ينهض من مرقده المتواضع، يمسح وجهه بكفّه، ويحمل سلّة الروتي ليبدأ جولته على المطاعم والبوافي. يوزّع "الروتي الشاحط"، ثم يعود لاحقًا لجمع ما باعه. كان صامتًا في البداية، يكتفي بالتحية ويخفض رأسه بخجل أولاد الريف الذين تطأ أقدامهم صخب المدينة لأول مرة، قبل أن تحتضنهم حواري تعز كأمٍّ حنون، ليولدوا من جديد. وكعادة المدينة وناسها الطيبين، يرحبون بكل غريب بحبٍّ وحفاوة.
كنّا نراه كل يوم ونحن نلعب الكرة في الحارة؛ نضحك ونركض، بينما يمرّ بنا عصرًا وهو يحمل كرتونة فارغة، يتلفّت نحونا وفي عينيه رغبة مكبوتة وحنين للعب.
وذات يوم، بعد أن أنهى توزيع الروتي، جلس على الرصيف يتفرّج علينا. وحين سقطت الكرة قربه، التقطها ورماها نحونا، فصِحنا به أن يشاركنا اللعب. تردّد قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة الفرح ودخل يلعب معنا.
من يومها، صار واحدًا منّا. كان الوحيد الذي يرتدي المعوز.
كان معوزه كقيدٍ يحاول الفكاك منه، يرفعه بيدٍ مغبّرة بالدقيق ليطلق العنان لسيقانٍ هزيلة سمراء طالما طاردت لقمة العيش، والآن تطارد حلمًا مستديرًا في ملعب حارتنا، الذي لم يكن أكثر من طريقٍ ترابيّ، مليءٍ بالأحجار والحصى، كل خطوة فيه مغامرة.
ومع ذلك، لم نكترث لسوء الملعب ولا للطقس.
حتى المطر لم يكن عائقًا لنا، بل كان مهرجانًا مجانيًا تهبه لنا السماء. نركض تحته بفرح، نلعب ونغوص في الطين، وثيابنا تتحوّل إلى لوحات فنية من بقع الماء والتراب. نعود إلى البيوت مبلّلين، متّسخين، لكن مغمورين بفرحٍ لا يُوصف، ولا أحد يوبّخنا...
وصديقنا الصغير لم يكتفِ بالركض خلف المستديرة فقط، بل كان يمتلك روحًا تجيد الركض خلف الكلمات أيضًا. في أمسيات الحارة الهادئة، كنّا نتحلّق حول جدارٍ قديم، وهناك كان نجيب يجلس بيننا بزهوٍ طفوليّ يثير ابتساماتنا، ثم يبدأ في ارتجال أبياتٍ شعرية باللهجة الريفية المحبّبة، يمزج فيها حنينه لقريته بمرارة أيامه في المدينة. كنّا نلتفّ حوله بدهشة من هذا الذي يخرج من بين الرماد والدقيق ليصوغ شعرًا بضحكةٍ خجولة، وكأنه يثبت أن قلبه ما زال أخضر رغم مرارة الواقع.
صار يوزّع الروتي فجرًا، ويلعب الكرة عصرًا، ويؤلّف القوافي مساءً. لكنه بدأ يسهو عن عمله، يؤخّر الطلبات أو يُضيع الفلوس، ويعود متعبًا بملابس متّسخة بالتراب. وذات يوم، صرخ به صاحب الفرن غاضبًا:
– "يا نجيب، أنت جاي تشتغل، ولا جاي تلعب؟"
فأجابه بضحكته الطفولية:
– "جيت أشتغل، بس ألعب قليل... عادي".
طُرد من الفرن مؤقتًا، فنام ليلته تلك على الرصيف تحت عمود النور. صرنا نقتسم معه الخبز، والمقالب البريئة، والضحكات، ولم يعد يوزّع الروتي، بل صار يوزّع النكات والحكايات، والكلمات. وإذا سألناه عن مستقبله، ردّ بضحكةٍ طويلة:
"طظ... طظ".
وحين قرأتُ كيف أغوت "العجلة المستديرة" الرازحي، تذكّرت نجيب وهو يركض خلف المستديرة بنفس اللهفة ونفس الحلم.
ولم يقتصر شغفه على اللعب، بل كان يشاركنا مشاهدة البطولات في بوفية العم خالد بالقرب من مسجد الكويت. نجلس على الطاولات الخشبية نتابع المباريات عبر تلفازٍ قديم، نرتشف "قلص شاي" لنضمن البقاء. وكان نجيب، رغم قلة ما في يده، يصرّ أحيانًا على أن يحاسب عنّا، كأنه يريد أن يثبت أنه ليس أقل من أحد.
مرّت السنوات وانقطعت أخباره.
كلما زرتُ تعز أسأل عنه أحيانًا، لكن لا مجيب. وفي مرة أخبرني أحدهم أنه سافر إلى ذمار للعمل هناك، ثم صمت كأنه يخفي بقية الحكاية.
لا أدري إن كان لا يزال يركض خلف الكرة، أو خلف لقمة العيش، أو ينسج قصيدة لم يسمعها أحد. لكنه سيظل في ذاكرتنا ذلك الفتى القادم من "الصَّلو"، بثوبه الوحيد، وضحكته التي كانت تسبق خطاه، وقلبه الذي ظلّ أخضر رغم الرماد.

الكلمات الدلالية