حين تُختطف القضايا العادلة!
ليست القضية الجنوبية محل خلاف من حيث عدالتها، بقدر ما هي ساحة صراع على من يملك حق تمثيلها والتحدث باسمها. فالتاريخ السياسي للجنوب يثبت أن الأزمات الكبرى لم تنشأ من ضعف القضية، بل من سوء إدارتها، ومن نزعة التفرد بالقرار وإقصاء الشركاء، وهي نزعة دفعت الجنوب أثمانًا باهظة منذ الاستقلال وحتى الوحدة.
اليوم، يعاد إنتاج هذا المسار ولكن بأدوات جديدة. فما جرى في عدن عقب تحريرها من مليشيات الحوثي وصالح لم يكن ثمرة توافق جنوبي جامع، بل نتيجة مشروع فُرض بقوة السلاح والدعم الخارجي، وجرى تسويقه تحت لافتة القضية الجنوبية، دون أن يعكس جوهرها أو يعبر عن تطلعات أبنائها.
اللافت أن هذا المشروع لم يكتفِ بإعادة هندسة المشهد السياسي، بل سبق ذلك بإعادة تشكيل القوة العسكرية نفسها، عبر إنشاء تشكيلات متعددة القيادات، مفككة الولاء، لا يجمعها مشروع وطني واضح، بقدر ما يربطها مصدر التمويل والدعم. وهكذا، تحولت القوة من وسيلة لحماية المجتمع، إلى أداة لفرض واقع سياسي أحادي، يختزل الجنوب في صوت واحد، ويصادر تعدده التاريخي.
ولإضفاء غطاء سياسي على هذا الواقع، ظهر «المجلس الانتقالي الجنوبي» بوصفه ممثلًا وحيدًا للقضية، دون تفويض شعبي شامل أو مسار ديمقراطي واضح. ومع الوقت، لم يعد الخلاف حول هذا الكيان خلافًا سياسيًا طبيعيًا، بل تحول إلى انقسام عميق داخل الجنوب نفسه، أضعف القضية بدل أن يعززها.
المشكلة هنا لا تتعلق برفض التنظيم أو الكيانات السياسية، بل بطبيعة المشروع الذي تقف خلفه، وبمدى استقلال قراره. فحين يصبح القرار السياسي والعسكري مرتهنًا للخارج، فإن القضية تتحول من حق وطني إلى ورقة تفاوض، ومن مشروع نضالي إلى أداة نفوذ.
الخطر الحقيقي الذي يواجه الجنوب اليوم لا يكمن في تعدد الآراء أو تنوع المشاريع، بل في ادعاء الاحتكار، وفي تحويل القضية العادلة إلى ملكية خاصة، تُدار بمنطق الإقصاء لا الشراكة. فالقضايا الوطنية لا تُحمى بالشعارات، ولا تُصان بالسلاح وحده، بل بإرادة شعبية جامعة، ومسار سياسي مفتوح، يعترف بالتعدد ويحتكم إلى الناس لا إلى الداعمين.
إن استعادة المعنى الحقيقي للقضية الجنوبية تبدأ من كسر وهم التمثيل الحصري، وفتح المجال أمام حوار جنوبي شامل، يعيد للقضية بعدها الوطني، ويحررها من الارتهان، قبل أن تتحول إلى مجرد ذكرى لقضية عادلة أُسيء استخدامها.