صنعاء 19C امطار خفيفة

رائدات في ظروف غير مواتية 10 - المرأة اليمنية وسياسات التنمية

تتناول المؤلفة في هذه الحلقة موقع المرأة ضمن خطابات التنمية الرسمية في اليمن. وتوضح كيف تبنت الدولة بعد الثورة شعارات تحرير المرأة والمساواة، لكنها لم تترجمها إلى سياسات فاعلة، مما أدى إلى ما يسمى بـ "النسوية الجزئية". ويحلل "الخطاب ذا الوجهين" الذي شجع تعليم وعمل المرأة لسد حاجة الدولة، وفي الوقت نفسه شدد على دورها التقليدي كزوجة وأم، وكيف أدت الأزمات الاقتصادية لاحقاً إلى تغيير المواقف الاجتماعية ودخول أعداد متزايدة من النساء إلى سوق العمل.


3.2 المرأة اليمنية وسياسات التنمية

أبرزت المرأة بأشكال مختلفة في خطابات التنمية اليمنية، وكان الترويج للمساواة والديموقراطية لكل اليمنيين جزء جوهريا من خطاب الجمهوريين الذي تضمن أيضا نصوصاً وإشارات صريحة لتحسين وضع المرأة اليمنية. اتبعت الحكومة اليمنية النموذج الناصري في الدعوة لتحرير المرأة لكنها لم تفعل ألا القليل جدا لوضع تلك الشعارات الثورية موضع التنفيذ (Molyneux 1995: 420).

أدت الشعارات الحكومية المعممة والسياسات غير المناسبة إلى ما أسمته مارقو بدران (1998 503Margo Badran) "النسوية الجزئية" حيث كان على النساء في اليمن الشمالي أن يقتطعن لأنفسهن أدوارا جديدة وان يخلقن لأنفسهن مساحة في الحيّاة العامة بمساعدة هادئة ومستترة من الدولة. كانت الحكومة ليبرالية إلى حد ما في الستينيات والسبعينيات خاصة مما أتاح النساء المناورة على الحيّز الذي وتوفر لهن بشكل استراتيجي. على سبيل المثال أسست مجموعة من النساء جمعية المرأة اليمنية التي نظمت بعض البرامج الاجتماعية مثل فصول محو الأمية والإرشاد الصحي والتدريب على بعض المهارات اليدوية مثل الخياطة والتدريب على الطباعة على الآلة الكاتبة (مصدر سابق 503). كما استفادت بعض نساء الطبقتين الوسطى والعليا من الفرص التعليمية المتزايدة بل ودخلن العمل المأجور في التدريس ومحطة الإذاعة وغيرهما[57].

رئدات في ظروف غير مواتية صورة الغلافانطلقت الحكومة من أن التعليم وسيلة رئيسية لتنمية وتحديث البلاد وان التعليم ضروري جدا للانتقال من "التخلف" إلى "الحضارة" و"التقدم" وبذلت جهوداً واسعة جدا لتطوير قطاع التعليم ببناء المدارس وتدريب المعلمين بعون فني ومالي من مانحين أجانب في معظم الحالات، وشيدت مئات المدارس في الريف والحضر بمساعدة الدول العربية الأخرى وعملت أجهزة الإذاعة والتلفزيون على تشجيع المواطنين على إرسال أبنائهم إلى المدارس وارتبطت فكرة التعليم شرطيا بفكرة التطور[58] ولازال هذا الاعتقاد سائدا حتى الآن. وأصبح التعليم المجاني حقا للجميع بموجب القانون لكنه لم يصبح إلزاميا بعد وبالرغم من ذلك كانت نسبة الأمية بين الإناث 76.1% عام 1999 وفقا للإحصاءات (UNDP 2002: 151) وفي الوقت الذي تزايدت فيه نسبة الإناث في مدراس المدن باستمرار بقيت نسبتهن في الريف منخفضة جدا[59].

لقد بذلت الحكومة جهودا كبيرة في للنهوض بقطاع التعليم إلا أن محاباة المدن والذكور ظل من سمات النظام التعليمي اليمني ولم يُفعل الكثير لتشجيع تعليم البنات في الريف. أسهمت العديد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية سلبا على تعليم الإناث خاصة في المناطق الريفية منها عبء العمل الكبير الملقى على عاتق المرأة، الزواج المبكر، النقص في مدارس البنات المنفصلة والمدرسات، إضافة إلى فكرة أن النساء لا يحتجن للتعليم أصلا. ليست لدى الحكومة اليمنية سياسات خاصة لتوسيع تعليم البنات في المناطق الريفية إلا أنها شرعت مؤخرا في تشييد المزيد من المدارس للبنات وتدريب المزيد المدرسات بعون من المانحين الأجانب في غالب الأحيان.

أصبح تعبئة النساء لخوض غمار العمل المأجور جزء رئيسياً من الجهود الرامية إلى بناء دولة حديثة كانت في أمس الحاجة إلى إنشاء المؤسسات الحكومية والوزارات والمستشفيات والمدارس. وتزايد الطلب على العمالة بهجرة نسبة كبيرة من الرجال إلى السعودية والخليج. كان نقص العمالة واحدة من الأسباب الرئيسية التي دفعت الحكومة إلى تشجيع توظيف النساء، لكن الحكومة كانت تأمل في دمج النساء في العمل المأجور دون إلحاق الضرر بما يسمى "بالبنيات الاجتماعية التقليدية" حفاظا على سكوت الجماعات المحافظة في المجتمع اليمني. نتيجة لذلك تبنت الحكومة خطابا تسميه سيف Seif (1995: 294) "الخطاب ذو الوجهين" وهو خطاب يشجع خروج المرأة للعمل المأجور من جهة ويشدد على الدور التقليدي للمرأة كزوجة وأم من جهة أخرى.

أعيد إحياء واستخدام تعبيرات إسلامية مثل "النساء شقائق الرجال" على نطاق واسع لتطبيع عمل المرأة وظهورها في الحيّاة العامة في المدن والمراكز الحضرية (...) مع التركيز على الدور الأسري للمرأة كزوجة وأم (مصدر سابق).

وهكذا أصبح تدريب وتشغيل النساء أولوية وطنية ملحة لكن قلة عدد النساء اللواتي تلقين تعليما ابتدائيا جعل عدد النساء القادرات على تلقى تدريب مهني أكثر محدودية. شكلت النساء 4% فقط من القوى العاملة في المناطق الحضرية وفقا للإحصاء السكاني لعام 1975. وكانت النساء العاملات في القطاع الخاص يؤدين الأعمال اليدوية بشكل أساسي (Myntti 1985: 45). فيما كان أكثر من ثلثي النساء العاملات موظفات لدى الحكومة وكانت وزارت التربية والتعليم، الصحة والبلديات، على التوالي، أكبر مخدمين للنساء كمدرسات وممرضات ومهن طبية أخرى مساعدة وعاملات نظافة كما اعتبرت النساء العاملات في مصانع تملكها الدولة مثل مصنع النسيج في صنعاء ومصانع البلاستيك والبسكويت في تعز والتبغ في الحديدة موظفات في الحكومة أيضا (مصدر سابق 45).

كانت الوظيفة الحكومية ذات قيمة اجتماعية عالية بشكل عام لتمتع الموظفين والموظفات بعقود عمل دائمة وعطل سنوية مدفوعة الأجر وإجازات للمرض والولادة وغيرها من المزايا، لكن كان هنالك تباين واضح في الوضع بين الوظائف المختلفة التي تعمل فيها النساء.

حظي عمل المرأة في التدريس بأعلى مستوى من المكانة الاجتماعية والاحترام لأن المرأة تعمل في مدارس البنات بالدرجة الأولى وبالتالي تكون فرصة احتكاكها بالرجال الغرباء قليلة نسبيا وبالتالي لا تهدد مبدأ الفصل الجندري، كما أن الإسلام يكن تقديرا عاليا للعلم ولذلك اعتبرت النساء مرسلات للقيم الدينية من خلال دورهن كأمهات[60] وبالتالي فقد اعتبر العمل في التدريس امتدادا لرسالة المرأة هذه.

لكن مرة أخرى تسبب قلة عدد النساء اللواتي أكملن الدراسة الثانوية في جعل عدد النساء القادرات على العمل كمدرسات محدودا للغاية في السبعينيات. كان هنالك نقص حاد في عدد المدرسات اليمنيات مما استوجب تعاقد وزارة التربية مع مدرسات أجنبيات[61].

كان العمل في التمريض والتوليد اقل مكانة من التدريس مما تسبب في قلة اليمنيات الراغبات في العمل في هذه المهن وقد عملت نساء أجنبيات كثر في هذا المجال خاصة القابلات السودانيات والممرضات الهنديات والفليبينيات في وزارة الصحة العامة، وكان أدنى الأعمال مكانة هو العمل في المصانع والنظافة بالرغم من الدخل الشهري المنتظم الذي توفره[62] وعملت في هذه الوظائف النساء ذوات المكانة المتدنية فقط (Myntti 1985: 46; Lackner 1995: 89).

أثرت الوحدة اليمنية عام 1990 وما نجم عن اندماج نظامين سياسيين مختلفين على المرأة اليمنية بطرق شتى. استقبلت الناشطات النسويات اليمنيات الوحدة بتفاؤل واضح لأن قضية المرأة كانت تؤخذ بجدية أكثر في اليمن الجنوبي وتطلعت النساء في الشمال على أن يؤثر ذلك في السياسات في الشمال إضافة إلى أن أعدادا كبيرة من المهنيات الجنوبيات انتقلن إلى صنعاء عقب الوحدة حيث كان هناك طلب أكبر على النساء المتعلمات في سوق العمل حيث عملن كموظفات حكوميات في الدرجات الدنيا والمتوسطة من السلك الإداري (Lackner 1995: 90). كما أن موضوع المرأة قد استحوذ على قدر كبير من اهتمامات المانحين الأجانب وازدادت الحاجة لليمنيات للعمل كنظيرات للأجنبيات في مشروعات التنمية وبرامجها.

وبالرغم من أن الوحدة قد استهدفت تأسيس نظام قانوني يستوعب التشريعات في الجمهوريتين اليمنيتين السابقتين كما ذُكر سابقا إلا انه سرعان ما اتضح أن القوانين والأعراف الشمالية هي النافذة (cf. Würth 2003). اعتمدت الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتشريع في الدستور الجديد وبالرغم من أن تفسيرات الشريعة كانت محافظة إلى حد كبير فقد منحت المرأة حق الانتخاب والترشح للبرلمان.

لم تفعل الحكومة الائتلافية بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي التي شكلت عقب الانتخابات البرلمانية إلا القليل لتحسين أوضاع للمرأة اليمنية. بعد الحرب الأهلية عام 1994 خفت نفوذ الحزب الاشتراكي وظهر التجمع اليمني للإصلاح بقوة على الساحة السياسية وكان موضوع المرأة عنصرا مهما في برامج حزب الإصلاح استخدم في حملتهم ضد الانحلال الأخلاقي.

أعلن حزب الإصلاح انه لا يعادي عمل المرأة لكنه يعتبر أن الواجبات المنزلية هي المسؤولية الأساسية للمرأة وإن عمل المرأة لا يمكن أن يصبح مقبولا إلا بموافقة الزوج عليه (Badran 1998: 426). لكن تأثير حزب الإصلاح على السياسات الحكومية ظل محدودا نسبيا وحدثت تغيرات في فرص العمل والتعليم المتاحة للمرأة بالرغم من التوجهات المحافظة للحكومة. حدثت التغيرات في التوجهات والميول الاجتماعية تجاه عمل المرأة وتعليمها بسبب الركود الاقتصادي وتزايد معدلات الفقر عقب عودة أكثر من 800 ألف مغترب يمني وعائلاتهم نتيجة لازمة الخليج 1990 – 1991. إضافة إلى تأثيرات تنفيذ برامج الإصلاح الهيكلي عام 1995. تزايدت نسبة النساء العاملات من 5.6% في الثمانينيات إلى 13% عام 1990 (Lackner 1995: 88) ثم إلى 17.7% في 1997 (UNDP 2002: 158).

لا تبدو هذه النسب عالية مقارنة ببقية الدول غير إنها تزايدت زيادة كبيرة في فترة قصيرة نسبيا حيث توفر عدد كبير نسبيا من الوظائف المختلفة للنساء اللواتي تولينها بحماس واضح. تبدلت مكانة الوظائف المتاحة للنساء كما تغيرت مجموعات النساء الداخلات إلى سوق العمل في وظائف محددة وهذا ما سيتضح لاحقا عندما ندرس حالة المرشدات.

ℹ️

عن المؤلفة

الدكتورة مارينا دي ريخت هي باحثة وأنثروبولوجية هولندية متخصصة في قضايا النوع الاجتماعي، والعمل، والهجرة في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، مع تركيز خاص وعميق على اليمن. بدأت علاقتها باليمن في أوائل التسعينيات، حيث عملت لسنوات في مشاريع تنموية بمدينة الحديدة، وهو ما أتاح لها فهماً ميدانياً وشخصياً للسياق الاجتماعي والثقافي.لأغراض التحليل.
*

مراجع وهوامش

[57] على سبيل المثال انظر إلى قصة رؤوفة حسن في كتاب بدران وكوكBadran and Cooke (1990: 376) وقصة أمة العليم السوسوة في بالوش Paluch (2001: 300).

[58] يعتقد رابو Rabo (1992) أن الدولة الوطنية تنظر إلى التعليم العام كأداة لتحقيق التنمية وان الموطنين المتعلمين يعتبرون مواطنين متطورين (مصدر سابق 109) وترتبط مفاهيم التطور (التنمية) بمفاهيم الحداثة ولا يمكن اعتبار أي شخص (متطورا) إذا لم يذهب إلى المدرسة لأن المدرسة هي الوسيلة التي تجعل من الإنسان متطورا (مصدر سابق 110). هنالك دراسة هامة حول العلاقة بين التعليم والتنمية والحداثة في نيبال وضعها سكنر وهولاند Skinner and Holland (1996).

[59] تبلغ إجمالي نسبة الفتيات من (عمر 6 إلى 15) المسجلات في المدارس 37%. وفقا للإحصاء السكاني لعام 1994 فإن 14% فقط من الفتيات عمر ستة سنوات يذهبن إلى المدارس في المناطق الريفية. (اليونيسيف 1998: 4)

[60] إضافة إلى أن الخطابات الوطنية ركزت على دور المرأة اليمنية في تنشئة أطفالها كمواطنين يمنيين ومسلمين جيدين

[61] كما ذكر سابقا عملت أعداد كبيرة من المصريات والسودانيات والسوريات كمعلمات بتمويل من السعودية العربية وكن في الغالب محافظات يعمان على تعزيز الأيديولوجيا الدينية السعودية المحافظة.

[62] من المثير للاهتمام أن العمل في المصانع لم يكن دائما متدن المكانة حيث أن أول مصنع للنسيج أنشأ في صنعاء اجتذب أعدادا من نساء الشريحة العليا من الطبقة الوسطى. وقد يكون تفسير ذلك كامنا في أن المصنع كان يمثل ظاهرة حديثة في ذلك الوقت

الكلمات الدلالية