صنعاء 19C امطار خفيفة

الثلاثون من نوفمبر والبعد القومي

اعتُبر يوم الثلاثين من نوفمبر 1967 يوم الاستقلال الوطني لجنوب اليمن بمثابة الرَّد على هزيمة الخامس من حزيران 1967. الترابط عميق بين الثورة اليمنية وثورة 23 من يوليو 1952 بمصر. فثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 كانت ردًّا على انفصال سوريا.

وعندما زار الزعيم العربي جمال عبد الناصر شمال اليمن عام 1964 أعلن من تعز أنَّ على بريطانيا أن تحمل عصاها وترحل من جنوب اليمن، وحقَّق ثوار الرابع عشر من أكتوبر 1963 دعوة الزعيم ناصر.
بعد فكِّ الحصار عن صنعاء 1968 زار وفدٌ من صنعاء مصر، وفيهم الوزير أحمد الشجني وآخرون، وقال لهم ناصر: «إنكم تعيدون الاعتبار لمصر، وإنَّ انتصاركم يُمثِّل الرَّد القومي على الهزيمة».
كان الترابط عميقًا بين الثورة العربية وثورة مصر القومية، وكان الزعيم جمال عبد الناصر رائد القومية العربية، والرمز القومي.
تأتي الذكرى الثامنة والخمسون للاستقلال وأمتنا العربية واليمن، شماله وجنوبه، يعيشان حالة تفكك واحتراب غير مسبوقين. فقد تمزق النسيج المجتمعي، وعاد المواطنون إلى ما دون الوطنية، وعاد القومي والأممي إلى قبيلته وقريته وطائفته وجهته.
لا يمكن إلقاء التبعة على الرجعية والاستعمار فقط؛ فدورهما حاضر ومعروف، ولكن هناك ما يسميه المفكر الإسلامي مالك بن نبي «قابلية الاستعمار». فالأنفس الضعيفة والأجساد المعلولة لديها قابلية للداء.
غرق قادة الثورة والأحزاب الثورية في الصراعات على الفتات والكراسي والمصالح الأنانية والضيقة، وحصروا «الحقيقة» في الحزب الواحد، وظنوا أنَّ السلاح هو الحقيقة المطلقة التي تستطيع الانتصار على كلِّ القضايا.
قدَّمت دولة الاستقلال تجربةً فذةً وفريدة قياسًا بكلِّ تجارب العالم الثالث؛ فقد قضت على الأمية في زمن قصير، وسنَّت مناهج تعليم حديثة أشادت بها «منظمة اليونسكو»، وسنت تشريعات حديثة ومتقدمة، خصوصًا «قانون الأسرة»، وحققت نوعًا من العدل الاجتماعي، وألغت التمايز، وحققت لونًا زاكيًا من المساواة يختلف عمّا هو سائدٌ في البلدان العربية وجنوب العالم، وصانت السيادة والاستقلال، وانتهجت سياسة قومية وعالمية معادية لأعداء الأمن والسلام الدوليين.
ورغم شح الإمكانيات، والحصار المضروب عليها، وتآمر نظام الشمال مع السعودية ضدها، إلا أنَّ الجبهة القومية تمكنت من توفير حياة معيشية معقولة، وتسهيل فرص عمل وطبابة وتعليم مجانيين، مع قدر من نظافة اليد والزهد الثوري تحلّى به كبار مسؤوليها.
تجربة الرابع عشر من أكتوبر 1963 ودولة الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967 بحاجة إلى مزيدٍ من القراءة لكتابات الخصوم السياسيين، وكتابات قادة الثورة أيضًا؛ وذلك لدراسة تجربة تعتبر من أروع تجارب حروب المدن وحروب التحرير الشعبية، وكذا دراسة جوانب التجربة: الإيجابية، وما أكثرها! والسلبية، وما أخطرها!؛ وهي ما أسهمت وأفضت إلى ما وصلت إليه تجربة اليمن الديمقراطية.
كان لانهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي تأثير كبير على العديد من تجارب بلدان الثورات الوطنية، وبالأخص البلدان ذات التوجّه الاشتراكي، وكانت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الصدارة. لكنَّ للعوامل الداخلية، والصراعات داخل نظام الحكم، ودور المحيط الإقليمي والدولي، أثره الكبير أيضًا.
المحزن أنَّ تجربة دولة الاستقلال التي كانت نجمًا مضيئًا في سماء ثورات النصف الثاني من القرن العشرين قد انكسرت، وتحوَّل الجنوب اليمني—صانع الرابع عشر من أكتوبر، والمشارك في ثورة 26 من سبتمبر 1962، وبطل دولة الوحدة—إلى «كنتونات» تتصارع فيها المليشيات على اقتطاع المناطق ونهب الأراضي، والتنافس على الولاء لأطراف لا تريد الخير للجنوب.
فميناء عدن يُعطَّل، ويجري الحديث عن استيلاء دولة صغيرة على العديد من الجزر اليمنية بما فيها: «ميون»، و«زقر»، و«سقطرى».
ما يجري في جنوب الوطن اليمني وشماله ليس بمعزل عمّا يجري في المنطقة العربية برمتها. والتغوّل على اليمن اعتمادًا على قوة إسرائيل وأمريكا وبريطانيا مآله البوار والخسران.

الكلمات الدلالية