السبت 16 مايو 2026
  • الرئيسية
  • بين السلاح والكهرباء.. كيف أوصلتنا المزايدات إلى هذا المشهد؟

بين السلاح والكهرباء.. كيف أوصلتنا المزايدات إلى هذا المشهد؟

في كل مرة تتفاقم فيها أزمة الكهرباء في عدن، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: لماذا تصل المركبات العسكرية والأسلحة أسرع من وصول محطات الطاقة والخدمات؟ ولماذا يبدو الدعم الخارجي أكثر حضوراً في ساحات الصراع منه في حياة الناس اليومية؟


اليوم ترتفع أصوات غاضبة تتساءل عن جدوى إرسال العتاد العسكري فيما المدن تغرق في الظلام والحر والانهيار الخدمي. لكن هذا الغضب، رغم مشروعيته، يتجاهل حقيقة مهمة؛ أن ما نراه اليوم ليس حدثاً منفصلاً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل جرى الترويج له والدفاع عنه لسنوات.

عندما كانت شحنات السلاح تتدفق عبر الموانئ والمطارات، وعندما تحولت بعض المناطق إلى ساحات نفوذ عسكري مفتوح، كان كثيرون يهللون لذلك باعتباره “بناءً للقوة الجنوبية” أو “تصحيحاً للمشهد”. يومها لم يكن مسموحاً بطرح الأسئلة حول مستقبل الدولة أو خطورة عسكرة الحياة السياسية، بل كان أي صوت معترض يُتهم بأنه ضد الجنوب أو ضد “المشروع الوطني”.

لكن الوقائع أثبتت لاحقاً أن تغليب السلاح على الدولة لا يبني استقراراً، بل يفتح أبواب الانقسام والصراع الداخلي. أحداث 2018 و2019 لم تكن مجرد خلافات عابرة، بل شكلت نقطة تحول خطيرة مزقت الجنوب سياسياً واجتماعياً، ورسخت منطق القوة على حساب التوافق والشراكة.

والأخطر من ذلك أن التدخلات الخارجية لم تعد مجرد دعم سياسي، بل أصبحت جزءاً مباشراً من معادلة الصراع. الجميع يدرك أن كثيراً من المعارك حُسمت بغطاء خارجي، وأن القوى المحلية تحولت في أحيان كثيرة إلى أدوات ضمن صراعات إقليمية أكبر منها. لذلك فإن الاستغراب اليوم من حجم التأثير الخارجي يبدو متأخراً، لأن الباب فُتح منذ اللحظة التي قُبل فيها أن يكون السلاح والقرار مرتهنين للدعم الخارجي.

المشكلة ليست في دولة بعينها، ولا في طرف خارجي فقط، بل في العقلية السياسية التي ما تزال تؤمن أن الوطن يمكن أن يُدار بالغلبة والإقصاء، وأن مشروعاً واحداً يجب أن يفرض نفسه بالقوة مهما كانت كلفة ذلك على المجتمع والناس.

الحقيقة التي يرفض البعض الاعتراف بها هي أن الجنوب ليس كتلة واحدة متطابقة، بل مجتمع متنوع سياسياً وفكرياً واجتماعياً، وأي محاولة لاحتكار تمثيله ستنتج مزيداً من الانقسام. فلا دولة تُبنى بالتخوين، ولا مستقبل يصنعه السلاح وحده، ولا قضية تنجح إذا تحولت إلى أداة صراع دائم.

ما تحتاجه عدن والجنوب اليوم ليس المزيد من الاستقطاب، بل مراجعة حقيقية للمسار كله؛ مراجعة تعترف بالأخطاء، وتؤمن بأن الشراكة والتعدد واحترام المختلف هي الأساس الوحيد لأي مشروع قابل للحياة.

أما الاستمرار في إعادة إنتاج نفس الخطاب ونفس الأدوات ونفس الممارسات، فلن يقود إلا إلى تكرار المشهد ذاته: صراع لا ينتهي، وخدمات تنهار، ومواطن يدفع الثمن وحده.