موقف الصين في الصراع الأمريكي الإيراني..
في قلب الأزمة المتصاعدة حول إيران ومضيق هرمز، لا تبدو المعركة مجرد مواجهة عسكرية أو أزمة ملاحة دولية، بل صراعاً أعمق بكثير بين مشاريع وقوى كبرى، لكل منها دوافعها الخاصة وحساباتها بعيدة المدى.
إيران لا ترى الصراع الحالي كخلاف سياسي عابر، بل معركة وجود ، فالعقوبات والحصار البحري و الضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية المتزايدة تجعل طهران مقتنعة تمام بأن أي تراجع في الوقت الراهن قد يفتح الباب أمام إسقاط النظام أو فرض شروط استسلام سياسي طويل المدى. ولهذا فإن إيران تتصرف بعقلية القتال والصمود حتى الرمق الاخير وإن كان الثمن باهضا ، وهو موقف يمكن تفهّمه خصوصا بعد كل الخسائر المادية والمعنوية التي لاقتها في هذا الصراع.
أما الولايات المتحدة فالمسألة بالنسبة لها تتجاوز إيران نفسها، فأمريكا تقاتل للحفاظ على "الهيبة"، وهي أخطر كلمة في قاموس الإمبراطوريات. الولايات المتحدة تدرك أن أي تراجع أمام إيران بعد كل التهديدات والتحشيد العسكري سيُقرأ عالمياً باعتباره ضعفاً في الردع الأمريكي، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل أيضاً أمام الصين وروسيا وحلفاء واشنطن أنفسهم. لهذا تبدو الإدارة الأمريكية عالقة بين خيارين صعبين: التصعيد وتحمّل كلفة حرب جديدة، أو التراجع وخسارة صورة القوة التي لا تتراجع.
لكن اللاعب الأكثر هدوءاً في المشهد هو الصين، فبكين لا تخوض حرباً مباشرة، ولا ترفع خطاباً عاطفياً دفاعاً عن إيران، بل تتحرك بعقلية استراتيجية طويلة النفس.. الصين تدرك جيداً أن اضطراب مضيق هرمز يضرها اقتصادياً، وأن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على صناعتها وسوقها الداخلي، لكنها في الوقت نفسه ترى أن السماح لواشنطن بتحقيق انتصار استراتيجي ضد إيران سيكون أكثر خطورة عليها مستقبلاً. إن أي نجاح أمريكي في إخضاع إيران يعني تعزيز النفوذ العسكري الأمريكي في الخليج، وتشديد السيطرة على طرق الطاقة العالمية، وتفرّغ واشنطن بشكل أكبر لمحاصرة الصين نفسها.
يقول المحلل الجيوسياسي الصيني الكندي جيانغ شيويه تشين في احد تحليلاته للصراع الدائر بين امريكا وايران ان الفيتو الصيني الروسي في مجلس الأمن لم يكن دفاعاً عن إيران، بقدر ما هو رفض لمنح الولايات المتحدة غطاءً دولياً لتوسيع نفوذها، فالصين تعلم أنها قد تتحمل عواقب اقتصادية على المدى القصير ، لكنها تراهن على نتيجة أكبر قائمة على استنزاف النظام الأمريكي المهيمن عالمياً بصورة تدريجية في هذا الصراع.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين العقليتين، فالولايات المتحدة غالباً تفكر بمنطق الحسم السريع وإظهار القوة الفورية، بينما تركز الصين على نتائج المدى البعيد إذ لا ترى بكين أن المعركة الحالية تدور فقط حول إيران أو مضيق هرمز، بل حول سؤال أعمق: هل يبقى العالم أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة وتفرض هيمنتها عليه، أم يتحول إلى عالم متعدد الأقطاب تتراجع فيه الهيمنة الأمريكية تدريجياً؟ وهذا هو الهدف الصيني الروسي المشترك، فكلا الطرفين يسعيان لسحب بساط الهيمنة العالمية من امريكا وتحويلها لهيمنة متعددة الاقطاب.
وعليه يمكن اختصار الوضع الحالي للصراع بقولنا ان معركة ايران اليوم هي معركة بقاء واثبات قوة ، اما امريكا فمعركتها معركة فرض الهيبة العالمية التي لطالما تغنت بها ، أما الصين فتخوض حرباً صامتة بلا صواريخ ولا تدخل عسكري ، حرب طويلة النفس لإضعاف النظام الذي همّش صعودها لعقود، وإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي تدريجياً حتى لو دفعت ثمناً اقتصادياً مرحلياً.
