الخميس 14 مايو 2026
  • الرئيسية
  • عبدالرحمن منيف وروايته «مُدن الملح»: «تقاسيم الليل والنهار» (1-3)

عبدالرحمن منيف وروايته «مُدن الملح»: «تقاسيم الليل والنهار» (1-3)

عبدالرحمن منيف وروايته «مُدن الملح»: «تقاسيم الليل والنهار» (1-3)
يقدم الروائي عبدالرحمن منيف الجُزءَ الثالث من روايته: «مُدن الملح»: «تقاسيم الليل والنهار»، بِمَثل بَدوِي: «ذَاك الغيم جَابْ هَذا المطر».

ويضيف: «يقول أحد أبطال مسرحية تشيخوف: الأخوات الثلاث لقد آن الأوان.. أثَمَّةَ شَيء يَتقدَّم نحونا.. ثَمَّة عاصفة قوية نقية تتهيأ.. عاصفة سوف تكنس من مجتمعنا عَمَّا قَريبٍ الكَسَل، واللامبالاة، والأوهام، والضجر الفاسد».

«إننا لن نشارك في تلك الحياة، ولكننا نحيا من أجلها اليوم. إننا نعمل ونتألم ونخلقها؛ وفي هذا وحده يقوم هدف وجودنا، وتقوم إذا أردتم سعادتنا. إنَّ ما تخاله وَهمًا قد يكون في بعض الأحيان حَدسًا بالممكن، وأنه في رؤية الممكن، تكمن احتمالات وقوة المستقبل».

«يقول الرياضيون:

بما أنَّ

لذلك

إذن».

ويكتب في الصفحة الثانية:

«وقت الهزائم، وفي المنافي، يطيب الحديث عن التاريخ، أو وهم التاريخ».

يقع الجزء الثالث مِنْ «مُدُن المِلح»: «تقاسيم الليل والنهار»؛ في 402 صفحة، قطع متوسط. يعنون منيف البداية: «مطلع القرن؛ العقود الأولى».

وَيَسرُد: «العالم -كُلُّ العَالَم- في ذلك الزمن الرجراج، المليء بالتوقع والاحتمالات، البطيء كسلحفاة، السريع المتغير كبرق السماء= يتلفت.. يتساءل.. يُرهِف السمع إلى الدَّوِي القادم، ويترقب بِخَوف الغَد الذي سيأتي.

في ذلك الزمن كُلُّ شيء مطروح لإعادة النظر.. لإعادة القسمة: الأفكار، المناطق، الدول؛ حتى الملوك والسلاطين والأمراء الصغار»(1).

قِطعَة فَنيَّة رَائِعَة، وقراءة عميقة ومدركة لطبيعة العقود الأولى من القرن العشرين عَالميًّا.

يتواصل السَّرد: «دول تنهض فَجأةً، وأخرى تغيب. القارات تُقَسَّم حَسَب خطوط الطول، وخطوط العرض: المناطق، والشعوب تجزأ، أو تُلحَق تَبعًا لرغبات الأقوياء الذين يَتَّخِذونَ القرارات؛ وَتبعًا لمصالحهم، وقدرتهم على المساومة، ونقض الوعود والعهود.

الملوك والسلاطين؛ ومعهم «الجَوَاكِر»، يُختَرَعُونَ في التَّو واللحظة؛ ليتولوا الأمور، أو يُحكَم عليهم بِالنَّفي إلى الجُزُر البعيدة؛ لكي يموتوا هناك مَنسِيِّين وبصمت»(2).

هَكَذَا يُصَوِّر مُنيف العالم أوائل القرن العشرين.

يضيف: «أمَّا موران»؛ هذه الصحراء الغارقة في الرمال والنسيان، فَكَانَ أمراؤها المئة يتنازعون أجزَاءَهَا، كما تتنازع النُّسُور.. كانت دولهم تكبر، وتصغر، وبعض الأحيان تنتهي؛ تَبعًا للأمطار والجراد، وَتَبعًا للغزوات، أو الهواء الأصفر الذي يصل إلى هذا المكان النائي مع المسافرين.

فَإِذَا نَجَتْ موران من هذه الويلات، وبدأ أبناؤها يَنظِمُونَ القصيد ويغنونه، وتكررت سباقات الخيل، وخرجت الصبايا إلى العيون دُونَ خَوف، وأصبح الناس يشبعون؛ فعندئذ لا بُدَّ أن يتكفل أمراؤها المئة بتحويلها إلى جحيم.

إنهم يصابون بنوعٍ خَاصٍّ من الجنون. وهذا الجنون الذي يتكرر كُلَّ بضع سنين يأتي فَجأةً، وينتهي فجأة أيضًا. لكن خلال الفترة القصيرة التي يكون يُخَلِّف من الضحايا والأحقاد والثارات؛ مَا يجعل الحياة خَوفًا مُستَمرًّا وثارات لا تنتهي»(3).

يسرد قِصَّة «مرخان ابن هديب» الذي كَانَ أميرًا لِـ«موران»، وما جاورها.. هُزِمَ في غزوة من غزوات الجراد.

وَيُورد نُبوءةَ «نجمة المثقال» - عَرَّافَة الحدرة وما جاورها؛ حين بلغها خبر هرب مرخان: «العين ما تحمل اثنين، خَاصةً بمثل هذي السنين»(4).

وينسب نجاة مرخان إلى حماية مفلح ابن مياح. ويرى؛ كَمَا قَالَ حَكيمٌ قَديم: «إنَّ الأمراء المهزومين يَظلُّون أسرى الماضي، ويصبح مستقبلهم وراءهم»(5).

كان يصلي مِئَات الركعات كُلَّ يوم، وكان بين تسليم وصلاة جديدة يُدِيرُ وَجهَهُ نحو موران ويبكي.

كَانَ يرفع إلى السَّمَاء وَجهًا مُتضرِّعًا مُبللًا بالدموع؛ طَالبًا من الله أن ينزل بـ «بني سحيم» العذاب.. أن يفنى جمعهم، ويهلك ضرعهم، ويقطع نسلهم.

وَلأنَّ خَيبتهُ ثَقيلة، وَصِلاتُهُ بطيئة الوصول إلى المكان الذي يريد؛ فقد هَدَّه اليأس، وقيل: إنه أصيب بِالخَبَل(6).

«خريبط» كان الابن الثاني لـ «مرخان». كان يصلي وراء أبيه. لكنَّ «موران»، والعودة إلى موران تشغله أكثر من الصلاة.

قَالَ خريبط ذات يوم لِعَمِّهِ دحيم: «راس مزهر بن سحيم مَا يِنرَاد له فيالق وبيارق.. يحتاج له ظلمة وحرامية، وطلقة بندقية، وبعدها إذا أمسى جمر؛ يصبح رماد». هَزَّ العَمُّ دحيم رَأسهُ مُوافقًا(7).

انزلق، وعدد من الرجال في ليلة ظلماء، ووجهته موران عَبرَ الصَّحراء؛ فَوصَلَ بعد شهر. وفي مثل ظلام الليلة التي سَرَى فيها، رَمَى ورجاله الحِبَال، وتسلقوا أسوار قصر «مزهر بن سحيم»، واختبؤوا إلى الفجر.. وحين كان مزهر مع أضواء النهار يتفقد خيله، خرجَ الرجال المختبئون، وقتلوا مزهرًا؛ وبمقتله هُزِمَ بنو سحيم، وَعَادَ آل هديب من جديد(8).

ويشير إلى دور امرأةٍ سَهَّلَت لخريبط الدُّخُول إلى القصر؛ وهو ما تؤكده الروايات التاريخية [الكاتب].

ويومها الدول مرتبطة بأمرائها؛ تسقط بسقوطهم. ومادام خريبط قد انتصر؛ وفي تلك الفترة بالذات؛ فَإنَّ موران- البلدة الصغيرة المَنسيَّة في هذه الصحراء الشاسعة- امتلأت، واتسعت إلى درجة لم تَعُدْ تعرف حدودها(9).

يربط منيف بين مقتل «مزهر»، وصعود نجم «خريبط». يتعاون الأول مع الأتراك، وينحاز خريبط إلى بريطانيا، وَأنَّ تبدلًا في سياسات الدُّول الكبرى في التعامل مع الأمراء الصغار وطيشهم= واقع.

كَانَ طموح خريبط لا يتجاوز موران؛ مسار يومين بكل اتجاه، ولكن اختياره عَميدًا للأمراء الصغار، وممثلًا عنهم قَد حَرَّكَ شَيئًا من الجنون.

إذن، فَلا بُدَّ مِنْ كُلِّ الصحراء؛ لأنها وحدها التي تحمي من الأعداء، والزمن، وغدر الأيام(10).

امتدت موران وَاتَّسَعَت؛ لأنَّ خريبط قَامةٌ مَدِيدة، وَجَسدٌ خَشِن، وفتى يرى ما لا يراه النَّاس حوله، وَسَمِعَ ما لم يسمعه غيره. ولأنَّهُ حافظ على ملابسه الخشنة، وَظلَّ مع الجند، وَكَانَ لا يتردد في أحايين كثيرة أن يُعطِي بسخاء، فقد أصبح في نظر الكثيرين مُختلِفًا عن غَيرهِ من الأمراء.

ويتذكر صلوات أبيه ودعواته، وهَزّ الناس رؤوسَهُم؛ امتثالًا، وخشيةً، وَخُشوعًا. قال لعمته ذات يوم: «ما تقدر على البدوان أولاد الحرام إلا بواحد من ثلاث: الذهب، أو السيف، أو جنة الخلد تجري من تحتها الأنهار»(11).

الناس لا يتذكرون إلا ما يريدون، ولا يسمعون إلا ما يحبون سماعه. ملأ خريبط حياة الناس: أيامهم، وليالهم= بالضجيج، واستعدادات الحرب، وانتظار الجَنَّة(12).

طَلَبَ من بريطانيا إرسال خَوِيًّا منهم يَتمّ التفاهم معه. أرسلت بريطانيا مَجموعةً من المستشارين، وخبراء، وقادة عسكريين، وخبراء في أمور كثيرة؛ ومعهم الأموال والهدايا.

اتسعت الإمارة، وتزايدت قوة الأمير، واقترح «بتلر» أنْ يُعلِنَ خريبط نفسه سُلطانًا لموران. ومن أجل أن يعزز علاقاته بالقبائل؛ فقد تزوج خلال خمس سنوات قَدرَ سِنيِّ عُمرِه. أمَّا بعد أن اغتنى واستقر، فَلم يُعرَف أبدًا عدد زوجاته، أو عدد ذريته؛ خَاصةً من الإناث(13).

عينه مفتوحة دَومًا على ضَمِّ المناطق المحيطة، ولا يعدم السُّبُل والوسائل، والتشجيع على قطع الطريق، والإخلال بالأمن= كذريعة لِلضَّمِّ.

كَثُرَ توافد البريطانيين للتنقيب عن الآثار، أو دراسة طبقات الأرض، أو القنص، أو التعرف على طبيعة الصحراء. واهتم خريبط بِالتَّوَسُّع، وَمَدِّ النفوذ، وتربية الأولاد، وإيجاد المربين والمدربين؛ لتأهيلهم للحكم.

«منصور»، و«خزعل»، و«فنر» هُم الأكبر. مقتل منصور سَبَّبَ له حُزنًا كَبيرًا، ورأى في خزعل وفنر امتدادًا له.

كَانَ شَديد الحِرص على تعليم أولاده الحكم، وأساليب الحكم، وفضائل القوة، ومعاركه البطولية، وإقامة السُّلطة.

شَكَاوى النساء، وطلبات الأولاد، ومشاكل القصر التي لا تنتهي، يستمع إليها فنر، ولا يعلق ولا يتكلم، بينما والده مفتون بإظهار قوته، وفنر مُولعٌ بسماعها.

نساء القصر يَأخُذونَ حَيِّزًا كَبيرًا من سَرد «تقاسيم الليل والنهار». فـ«فِضَّة»- أمُّ الأربعة الأولاد تُغادر القصر إلى منزل أهلها.

وتتعدد الروايات وتكثر عن السَّبَب. فَمِن قَائلٍ أنَّ «فِضَّة»؛ وهي الأولى لديه؛ لأنها أمّ أولاده الأربعة- طَلبَ منها السُّلطان خريبط مغادرة القصر؛ بعد ضربها للقابلة «وريدة».

«لؤلؤة» -خادمة «وطفة» اعترفت لمن تثق بهم أنَّ قابلةَ القصر «وريدة» اعترفت لسيدتها «وطفة»، أنه في اليوم الثالث لولادة الأمير الجديد «مفرح»، طلبت إليها فضة، وعرضت عَليهَا مَبلغًا كَبيرًا من المال؛ إن هي قَامَت بخنق الطفل، بعد معرفة أنه ذكر، وهددتها بطردها من القصر، وَأبلِغَ السُّلطَان بذلك.

غَادَرَت فِضَّة القصر، ومعها خادمتها «موزة» التي ظَلَّت تتردد على القصر.

توفت حليمة- أمّ «فنر»، و«موضي»؛ وهما صغيران. تربيا في «عين فضة»؛ منزل جدهما الشيخ عوض (رجل الدِّين)، ورعاهما خالهما السلفي «عمير»، وَعَاشَا فَترةَ الصِّبَا بَعيدينِ عن القصر.

كَانَت جدتهما «مزنة» وجدهما مهتمان بهما، ويريدان لهما أن يظلا بَعيدين عن موران، وعن القصر.

والطفلان شَديدَا الحُبِّ لعين فضة، وأسرة الأم، ولا يحبان البقاء في موران، أو القصر.

حَرِصَ خريبط على نقل فنر، وموضي إلى القصر؛ فانتقل معهما الخال عمير الحريص على التأثير على ابن أخته.

كَانَ القصر شَيئًا عَجيبًا: عشرات الأجنحة والغرف اللصيق بعضها ببعض على الجوانب.

غُرَف الحرس والخدم في الوسط. البناء الرئيس يشغله السلطان، وثلاث من نسائه المُقرَّبَات. البناء من طابقين؛ له شرفات تُطِلُّ من جانب على الديوان الكبير، ومن جانب على الأبنية الملحقة؛ وأغلبها مستحدثة؛ وقد أملت وجودها الحاجة والضرورة. أمَّا الجانب الآخر القبلي، فَكانَ يُطِلُّ على اسطبل الخيول(14).

لا أحَدَ يعرف من يَتَحكَّم بالقصر، أو من يدير شئونه. لا يمكن لأحد في «قصر الرُّوض» أن يكون مُحَايدًا.

مناوشات الرجال تجري في الهواء الطلق، أمَّا النساء؛ فتجري وراء الأبواب المغلقة، وبِتكتم وسِرِّيَّة صارمة وشديدة المكر.

ولأنَّ السُّلطان موجود في القصر، وَالأمر مُرتَبطٌ بِهِ شَخصيًّا؛ فَلا مَجَالَ للتمادي. فالخوف يرتبط بوجوده، والإجراءات القاسية تصل إلى الإعدام بحق عامليه في المخازن، والخدم؛ نَتيجةَ أخطاء صغيرة، ووشايات نقلوها، أو نُقِلَتْ على لِسَانِه.

المَرَّات التي قُتِلَ بها عَددٌ من الخدم في «قصر الروض» كثيرة. وفي أحايينَ يُصبح الخدم أكثر مَعرفةً مِمَّا ينبغي، وَيُعتَبرُ ذلَكَ سَببًا كَافيًا للقتل(15).

القتل شَائعٌ في القصر؛ إمَّا في سَوْرَة الغضب، أو بسبب القصص الدقيقة؛ خَاصةً في منطقة الحرام.

وتشيع التصفيات في حملة الرسائل، وَغَالبًا مَا يُنسب الأمر للخطأ، أو تنظيف السلاح، أمَّا النِّسَاء، فتجري التصفيات عَبرَ السُّمِّ.

والأطفال في قصر الروض لا يترددون عن فعل ما يفعله الكبار. وَغالبًا مَا يَكونُ بتحريضٍ من الكبار.

وَلَيسَ في القصر طفل لم يَحصُل على مسدس أو بندقية. والسلاح هدايا الأب إلى أبنائه.

صَحيح أن الآباء لا يعطون الصِّغَار الذَّخيرة، ويحضون الخَدَم على المراقبة، لكن مَا أيسرَ أن يحصل الأطفال على الذَّخِيرة، وتصبح الحيوانات هَدفًا للعبِ الصغار، ويكون الخدم والعمال هَدفًا لهذا اللعب.

وَتَحتلُّ المكائد في صفوف النساء مساحةً وَاسعةً في علاقاتهن ونشاطهن؛ خُصوصًا للعاطلات المهجورات.

وَصَلَ فنر، وموضي إلى قصر الروض؛ ليمكثا. والرهان على المولود المنتظر لفضة: ذكر، أو أنثى. وتكسب الرهان، ويكون الرابع؛ وهو ما يريده السلطان، ولو خَسِر.

سُرِقَتْ بندقية فنر في اليوم الثالث لوصوله. ورغم البحث والتحري لم يُعثَر عليها. أمَّا «قطمة» - خادمة موضي، فقد تَعَرَّضَت لمضايقات شديدة، ومكائد نسائية.

قَالَ «دحيم»- العَمّ الكبير للسلطان: «يَا أبو منصور.. حِنَّا معك أن يكون لك ذرية بعدد حَبَّات التراب، وأن تفرح بكل مولود جديد.. بَسّ لازم تعرف أنَّ الولد من صُلب الأب الواحد. ومَا دُمت أنت أبو الأولاد؛ يلزم تعدل بينهم، وما يلزم تقول: هذا ابن فلانة، وهذا ابن فلانة»(16).

الأطباء الذين أشرفوا على علاج فنر أثناء مرضه قالوا: إنَّ مرضه لا يتعدى الحصر، وتغير المناخ.

السلطان اهتمامه الكبير بالذكور. والأقرب إليه من النساء: أمّ الذكور. وعندما أبدى قَدرًا من الاهتمام بالبنات، استنكرت فِضَّة أم الأربعة الذكور. وعندما قالت: «لا فرق بين الولد والبنية»؛ رَدَّت عليها خادمتها: «لا يا سِتِّي في فرق. وهذا طوله..»؛ وَأَشَارتْ بالسبابة والإبهام إلى المقدار الذي تعني(17).

في المواجهات الداخلية كان خزعل هو العنوان الأكبر، وفي العلاقات الخارجية كان فنر هو الرسول.

أرسَلَ السُّلطان خريبط ابنه فنر بزيارةٍ رَسمِيَّة للتهنئة إلى بريطانيا؛ بناءً لاقتراح مستشاره؛ والذي أكَّدَ للسلطان أنَّ العائلة الملكية البريطانية تُرَبِّي أولادها على تحمل المسئولية، وتكلفهم مُهِمَّات إلى البلدان الأجنبية؛ ليتعرفوا على هذه البلدان، ويتعلموا منها؛ ولكي يَتعرَّف عليهم الملوك والرؤساء(18).

مَعَ طُولَ بقائه في القصر، إلا أنَّ فنر لم يستطع أن يصبح جُزءًا من القصر، أو جُزءًا من القُوَى الخَفيَّة.

ووالده يخشى عليه من تأثير خاله عمير. وفنر مثل الفتاة الغَضَّة التي تمرض إذا عطست.

أخذه أبوه إلى إحدى المعارك، وكان يتعمَّد إحضاره لمشاهدة القتل، وسفك الدماء، ودفعهِ للمعارك.

وقد أصيب فنر في كتفه في معركة مُفتَعلَة، ومرضت موضي، عندما أحسَّت بإصابة أخيها.

وصل هاملتون. وَقَد أطلقَ عليه السلطان لقب «الصَّاحِب»؛ بِناءً على اقتراحه. وَحَدَّدَ العديد من المواقع لِحفرِ مجموعة من آبار المياه.

وَذَكرَ الذين رافقوه أنه قضى وَقتًا طَويلًا في نبش «تلة الذِّيب»، واستخرج منها أصنامًا، وأشاروا إلى ثلاثة جمال كانت تحمل هذه الأصنام(19).

كَانَ السُّلطان سَعيدًا بوصول هاملتون، واستقبله باحتفالات عديدة، وبعروض الخيل، وَطَلبَ إليه البقاء، ولكنه استأذن بالسفر.

في إقامته كان اهتمامه كَبيرًا بفنر، ومعرفة كُلِّ شَيءٍ عنه، وبعد ترسيم الحدود مع الجوار، غَادر.

وَاضِحٌ من خلال الاهتمام بالآثار، وبفنر، وترسيم الحدود أنَّ هاملتون هو الاسم الرمزي لـ«فيلبي» [الكاتب].

ولنقرأه أكثر من خلال سردية منيف. هاملتون ليس وَاحدًا.. إنه الكثير في شخص، ومجموع الأشخاص في واحد. والكثير، والواحد يجمع بينهم الحوار. وبقدر التفاهم الذي يوحدهم؛ فَإنَّ العداء كَثيرًا ما أدَّى إلى الخصومة والافتراق.

فَهُوَ مُحِبٌّ لا يستطيع أن يخفي حبه، وَمُبغِضٌ إلى درجة الحقد. هادي أغلب الأحيان، لكن في لحظة يتحول إلى حيوان ذئبي كَاسِر، لا يشبع من الدماء، ولا يَملّ النظر إليها.

رغبة الاكتشاف والمعرفة لديه قوية ومستمرة؛ فإذا حَاصَرتهُ الأسئلة؛ امتلأ شُعورًا بالحِيرة واللا جدوى.

مسيحي، وزنديق، ولا يتردد في أن يُجرِّب أديانًا أُخَر أيضًا.

مخلص للإمبراطورية، وشديد الكره لها. المال بالنسبة له وسيلة تعامل، وقدرة على التأثير، كما أنه قوة مستقلة لذاتها.

يتمنى أن يكون مَلِكًا لا يَملُّ الناس من النظر إليه، وَأن يَكونَ إنسانًا مَجهُولًا لا يعرفه أحد.

يقول لنفسه في لحظات الصفاء: «كُلَّمَا ازدادَ الإنسانُ قُوةً ومعرفة؛ كُلَّمَا ازداد ضَعفًا وَضَياعًا وَجهلًا».

الهوامش:

(1) مدن الملح، تقاسيم الليل والنهار، ص9.

(2) المصدر السابق: نفس الصفحة.

(3) المصدر السابق: ص10.

(4) المصدر السابق: نفس الصفحة.

(5) المصدر السابق: ص11.

(6) المصدر السابق: نفس الصفحة.

(7) المصدر السابق: ص12.

(8) المصدر السابق: نفس الصفحة.

(9) المصدر السابق: ص14.

(10) المصدر السابق: ص16.

(11) المصدر السابق: ص16.

(12) المصدر السابق: ص18.

(13) المصدر السابق: ص19.

(14) المصدر السابق: ص36.

(15) المصدر السابق: ص40.

(16) المصدر السابق: ص48.

(17) المصدر السابق: ص50.

(18) المصدر السابق: ص52.

(19) المصدر السابق: ص59.