الخميس 14 مايو 2026

خطبة الكعب العالي

لم تأتِ أمريكا هذه المرة على ظهر دبابة
جاءت بساقين طويلتين تلمعان كفكرتين عن الحرية
وكان الجنرالات يختبئون في أحمر شفاه
وكان البنتاغون يجرب قامته أمام مرآة مذيعة شقراء
كان العالم العربي يصفق للنشرة الجوية أكثر من تصفيقه للأنبياء
أنا آخر بدوي رأى الصحراء قبل أن تتحول إلى إعلان بنزين
وآخر شاعر يحمل خيمته في وجه الأقمار الصناعية
لي وطن كلما فتح فمه دخلت إليه شركة متعددة الجنسيات
قالت
نحن لا نحتل البلاد
نحن فقط نعلمها كيف تمشي بالكعب العالي
فضحك النفط في آباره القديمة
وصفقت البورصات
وانحنت عواصم صغيرة مثل تلميذات أمام معلمة الرقص
في البدء
لم يكن هناك سوى صحراء واسعة وأنبياء متعبون
ثم ظهرت امرأة أمريكية تجر خلفها خريطة العالم
وكانت ساقاها أطول من تاريخ الإمبراطوريات
وكانت البحار تمشي وراء عطرها
قال الراوي
هذه ليست امرأة
هذه وزارة خارجية ترتدي الحرير
هذه حاملة طائرات تضع عطرًا فرنسيًا
هذه ديمقراطية تتدرب على الرقص فوق جماجم الهنود الحمر
في واشنطن كان الشيوخ القدامى يناقشون مصير الشرق الأوسط
بينما تمر نادلة بساقين تشبهان علمين أبيضين
فيسقط قرار حرب ويقوم قرار حرب
أما نحن فكنا نطل من ثقوب المنافي
كفقراء يتفرجون على واجهة متجر عالمي
كنا نرى
بغداد تتحول إلى نشرة أسهم
وغزة إلى فاصلة إعلانية
وبيروت إلى كعب مكسور في ملهى دولي
يا أمريكا
كم مرة بدلت فستانك لكي تخفي رائحة الحروب
وكم مرة وضعت أحمر الشفاه فوق فم دبابة
أنا لا أكره النساء
أنا أكره أن يتحول الجسد إلى وزارة دفاع
أن تتحول الابتسامة إلى تأشيرة احتلال
أن يصبح الكعب العالي أعلى من شجرة الزيتون
في المطار الدولي
كانت المضيفات يوزعن الخرائط
والقنابل بالابتسامة نفسها
وكان الجنود العائدون من الحروب البعيدة
يحملون صور العارضات أكثر مما يحملون صور أمهاتهم
أيها العالم
احذر حين تصبح الموضة أقوى من القصيدة
حين يصبح التلفاز أكثر إقناعًا من دم الضحايا
حين يتحول الإنسان إلى متفرج على نهايته الخاصة
وفي آخر الليل رأيت تمثال الحرية يخلع تاجه
ويجلس متعبًا على رصيف نيويورك
كان يبكي لا بسبب الحروب
بل لأن العالم لم يعد يفرق بين الممثلة والإمبراطورية
في القنوات الفضائية كانت الحرب تدخل إلينا بموسيقى ناعمة
مذيعة بأسنان لامعة تشرح عدد القتلى كما لو أنها تشرح وصفة تجميل
والعالم يشرب قهوته الصباحية أمام المجزرة
في نيويورك كانت الشركات الكبرى تغسل أموال الحروب
بعطور فرنسية
وكانت البورصة ترتفع كلما انخفض عدد الأطفال في مدن الجنوب
رأيت جنرالًا يخرج من مؤتمر صحفي ويعدل ربطة عنقه أمام الكاميرات
خلفه مباشرة كانت مدينة عربية تحترق
لكنه ابتسم
كان النار جزءًا من البروتوكول
يا وطني
كم مرة باعتك الأنظمة في سوق النفط؟
كم مرة جلس الملوك حول الطاولة المستديرة
كلاعبين قدامى في كازينو التاريخ؟
أنا ابن الخيمة لا أفهم كثيرًا في الاقتصاد الدولي
لكنني أعرف أن الدولار حين يبتسم تموت قرية
وأن صندوق النقد يشبه طبيبًا أنيقًا يعالج الفقر
بالمزيد من الجوع
في الخليج كانت الأبراج تنمو مثل نباتات معدنية
كان العمال الفقراء يصعدون السقالات
كأنهم يصعدون نحو منفاهم
كل نافذة كانت تحتاج إلى عامل آسيوي
وقلب عربي مكسور
وفي المساء كانت المغنيات يغنين للحب
بينما الطائرات تعبر السماء نحو حرب جديدة
لا أحد يسمع صوت الأمهات
لأن الميكروفونات مشغولة بالحفل
قال لي صديق فلسطيني
العالم لا يكرهنا.. العالم فقط يشاهدنا دون ترجمة
فبكيت
لأن الحقيقة أحيانًا تكون أقصر من رصاصة
وفي آخر النشرة ظهرت عارضة أزياء
ابتسمت
فنسيت البشرية كل شيء
حتى الدم
بيروت
امرأة تضع البحر في أذنها كقرط أزرق
وتدخن خرابها بأناقة
في الليل كانت الحانات تمتلئ بالشعراء والصحفيين
والجواسيس
كل طاولة كانت تحمل ثورة صغيرة
وكل كأس كانت تخفي خريطة انقلاب
رأيت بيروت تمشي حافية بعد الحرب
كانت تخلع حذاءها العالي
لكي تمر فوق الزجاج المكسور
وكانت شوارعها تشم البارود مثل عطر قديم
يا بيروت
يا آخر وردة تتعلم الرقص تحت القصف
كيف استطعت أن تجمعي في شارع واحد
قاتلًا وشاعرًا وعارضة أزياء؟
في الفندق المطل على المتوسط
كان المراسلون الأجانب يكتبون تقاريرهم
يصفون الحرب كما لو أنها فيلم مثير
ثم يطلبون النبيذ الفرنسي
أما الأطفال في المخيمات فكانوا يرسمون الدبابات
بألوان خشبية
ويحلمون بحقيبة مدرسة لا أكثر
في الصباح مرت امرأة بفستان أحمر
توقفت الحرب لثوانٍ قليلة
حتى القناص نسي بندقيته
وتذكر أنه كان طفلًا قبل أن يتحول إلى وظيفة
بيروت تعرف أن الجمال ليس بريئًا دائمًا
فالمدينة التي تضع أحمر الشفاه
قد تخفي سكينًا صغيرة
والبحر الجميل قد يحمل بوارج أمريكية
يا مدينتي
كم مرة أعادوك من الحرب إلى الحرب
كم مرة رمموك لكي تصلحي لخلفية سياحية
أنا شاعر عربي أقف الآن على رصيف المنفى
أراقب الشرق الأوسط يتحول إلى غرفة انتظار طويلة
الكل فيها يحمل رقمًا
وينتظر دوره في الخراب
وفي آخر الليل سمعت فيروز
كان صوتها يصعد فوق الحطام
كحمامة تعرف الطريق حتى في الظلام
فبكيت
ليس لأن بيروت حزينة
بل لأنها تشبهنا كثيرًا
جميلة متعبة
في البنتاغون لم يكن الجنرالات يحبون الشعر
لكنهم كانوا يحبون الخرائط
فالخريطة عندهم قصيدة هندسية
يمكن تعديل قافيتها بالصواريخ
وفي القاعة السرية كانت الشاشات العملاقة
تضيء وحوه الرجال
العراق هنا
سوريا هنا
فلسطين كنقطة دم صغيرة
على طرف المؤشر
وكان أحدهم يشرب قهوته بينما يشرح عدد الضحايا المتوقع
كما لو أنه يشرح حالة الطقس
ثم دخلت راقصات البنتاغون
بفساتين سوداء
وسيقان تشبه أبراج النفط
كن يرقصن حول الكرة الأرضية
وكلما ارتفعت الموسيقى
سقطت دولة
قالت إحداهن
الشرق الأوسط يليق به اللون الرمادي
فضحك الجنرال
ووقع أمرًا بزيادة القصف
في الخارج كان المتظاهرون يحملون صور الأطفال
لكن الزجاج المضاد للرصاص كان أكثر سماكة
من ضمائر السياسيين
أنا شاعر لا أملك دبابة
أملك فقط لغة تحاول أن تمنع العالم من السقوط الكامل
لكن القصائد صارت أضعف من إعلان هاتف جديد
يا أمي
حين كنت تخبزين في القرية البعيدة لم تكوني تعرفين
أن رغيف الخبز قد يصبح مشروعًا جيوسياسيًا
ولم تكوني تعرفين أن ابنك سيكبر في عصر تدار فيه
الحروب بأزرار إلكترونية
في المساء مرت طائرة أمريكية
كانت أنيقة مثل نجمة سينما
لكن ظلها كان كافيًا لكي ترتجف قرية كاملة
أيها العالم
من علم الإمبراطوريات أن تتحدث عن حقوق الإنسان
بفم تفوح منه رائحة البارود؟
من أقنع القتلة أن ربطة العنق
تجعل المجزرة أكثر تحضرًا؟
وفي آخر الحفل أطفأوا الموسيقى
وبقيت الكرة الأرضية وحدها تدور
مثل راقصة متعبة
لا تعرف أي حرب ستبدأ غدًا
كان البدوي يجلس أمام خيمته القديمة
يعد النجوم
ويعرف اسماء الرياح
ويحفظ سلالة الجمال أكثر مما تحفظ الحكومات
تاريخ شعوبها
ثم جاءت شاشة صغيرة
تلمع في قلب الصحراء مثل شيطان إلكتروني
اقترب منها فرأى العالم
حروبًا مباشرة
رؤساء يبتسمون
نساء يرقصن
أسهمًا ترتفع
ودولًا تسقط
كل ذلك بين إعلانين لمعجون أسنان
قال البدوي سبحان الله
حتى القيامة أصبحت تبث مباشرة
في تلك الليلة نام قرب التلفاز
وحلم أن القبيلة تحولت إلى شركة اتصالات
وأن شيخ العشيرة يرتدي بدلة إيطالية
ويتحدث عن الاستثمار
استيقظ مذعورًا
خرج إلى الصحراء
بحث عن النجوم
لكنه لم يجد سوى الأقمار الصناعية
يا زمن البدو الجميل
كيف هزمت أمام شاشة مسطحة؟
كيف صار الطفل العربي يعرف اسم لاعب أمريكي
أكثر من معرفته اسم جده؟
في المقهى كان الرجال يتابعون الحرب
يشربون الشاي
ويحللون الخرائط
ثم يعودون إلى بيوتهم الفقيرة
كأن شيئًا لم يحدث
العالم العربي أصبح جمهورًا
والجمهور لا يغير التاريخ
الجمهور فقط يصفق
أو يغير القناة
رأيت شابًا يحمل هاتفًا ذكيًا
وكان قلبه فارغًا إلا من التطبيقات
لا قضية لديه
لا حلم.. لا أغنية
فقط كلمة مرور
وفي الأخبار العاجلة قالوا
إن الحرية قادمة
على متن حاملة الطائرات
فضحك البدوي لأول مرة
ضحك حتى بكى
ثم قال
إذا كانت الحرية تحتاج كل هذه الأسلحة
فلا بد أنها خائفة جدًا
في آخر المشهد
أطفأ التلفاز
وعاد الرمل.. جلس وحيدًا
ينصت إلى صمت الصحراء
كأنه يسمع آخر لغة لم تفسدها الإعلانات
في البدء كان النفط مجرد سائل أسود
ينام تحت الرمل
لا يعرف أنه سيصبح إلهًا حديثًا
ثم جاءت السفن
ثم جاءت الشركات
ثم جاءت الجيوش
وارتفعت فوق الصحراء أعلام كثيرة
لكن الرمل ظل وحيدًا
يا نفط
كم حربًا خرجت من بئرك؟
كم جنرالًا غسل يديه بدمك الأسود؟
كم عاصمة اشترت ضميرها ببرميل؟
في الخليج كانت المدن الجديدة
تلمع مثل خواتم ذهبية
ناطحات سحاب ترتفع في قلب الصحراء
كأنها تتحدى السماء
لكن العمال الفقراء كانوا ينامون
في غرف ضيقة خلف الضوء
كان الثراء لا يتسع للجميع
رأيت أميرًا يشتري لوحة عالمية
وفي الجهة الأخرى كان طفل عربي يبيع المناديل
عند الإشارة
فهمت عندها أن التاريخ ليس عادلًا
وأن النفط لا يوزع الشمس بالتساوي
الشركات العملاقة دخلت الصحراء مثل قبائل جديدة
لكنها لا تحمل السيوف
تحمل العقود
والمحامين
والبنوك
قال خبير اقتصادي
الاستقرار مهم
وكان يقصد أن يبقى النفط يتدفق بهدوء
حتى ولو احترقت البلاد
يا وطني
أتعرف ما المأساة؟
إننا جلسنا فوق أكبر كنز في الأرض
ثم بقينا فقراء
كأن الثروة لعنة شرقية
وفي الليل كانت الحقول النفطية تشتعل كشموع عملاقة
ورأيت العمال يمشون بين النار
صغارًا متعبين
كأنهم جنود مجهولون في حرب الاقتصاد
أمريكا لم تكن تحتاج أن تحتل الجميع
كان يكفيها أن تتحكم بصنبور البنزين
فالعالم الحديث يمكن إيقافه
بنقص الوقود
مثل سيارة ضخمة
وفي المؤتمرات الدولية كان القادة يتحدثون عن السلام
ثم يتبادلون الابتسامات فوق خرائط الأنابيب
أما الشعوب فكانت تنتظر فتات الثروة
أو معجزة
أنا شاعر عربي
أعرف الآن أن النفط ليس مجرد مادة
إنه مرآة
تكشف كم نحن قابلون للبيع
وفي آخر الصحراء سمعت بئرًا قديمة يبكي
فاقتربت منه
قال
كنت ماء ثم جعلوني سببًا للحرب
فسكت
لأن الآبار أحيانًا تعرف أكثر من المؤرخين