الأحد 10 مايو 2026
  • الرئيسية
  • المهمشون.. الظلال ترقص خارج أسوار اليمنيين

المهمشون.. الظلال ترقص خارج أسوار اليمنيين

مهمشون يحيون أحد الأعراس ـ منصات

حين تبني المدن أسوارها العالية، يخرج دائماً قوم يسكنون خارج السور ويحرسون ما تلقيه المدن خارج ذاكرتها. وحين يكتب التاريخ أسماء الملوك بحبر سميك، يترك في الهامش بقعة داكنة تشبه إصبعاً متسخاً مر فوق الصفحة ثم اختفى. بين السور والهامش عاش المهمشون في اليمن، كأنهم الذاكرة التي حاولت البلاد دفنها تحت سجادة النسب والطهارة الاجتماعية، لكنها ظلت تطفو كل مرة مثل قطعة خشب سوداء فوق سيل طويل.

في ليالي القرى اليمنية يظهر المهمشون كأنهم الجزء الذي يوقظ الليل من نعاسه. الطبول تدق بإيقاع يشبه نبض الأرض، والأجساد تدور بخفة تعلمتها من معاشرة التعب طويلاً، والزغاريد تتطاير في الهواء كأن الفرح حرفة خفية ورثوها جيلاً بعد جيل. الرجل الذي قضى نهاره منحنياً فوق عربات القمامة يتحول ليلاً إلى راقص يوزع البهجة على أكواخ المحوى كلها، والمرأة التي عادت من سوق مزدحم بحمولة ثقيلة تغني بصوت دافئ كأنها تغسل التعب نفسه بالموسيقى.

عند أطراف المدن تنمو حياة كاملة داخل أكواخ القش والصفيح، خارج الضوء الرسمي للبلاد. شاي يغلي فوق موقد صغير، أطفال يركضون حفاة خلف كرة ممزقة، نساء ورجال يرقصون، وأغانٍ تتسلل من بين الأكواخ مثل رائحة طين مبتل بعد المطر. هناك تبدو الحياة خشنة وعفوية في آن، كأن المهمشين طوروا عبر القرون مهارة خاصة في استخراج الفرح من قلب القسوة.

أحد محاوي  المهمشين ـ وكالات

هذه الروح التقطها الروائي علي المقري في روايته "طعم أسود.. رائحة سوداء"، حيث بدا عالم المهمشين مليئاً بحيوية حزينة تشبه ضوءاً خافتاً داخل كوخ فقير. شخصيات الرواية تتحرك داخل الفقر كأنها تتحرك داخل طقس يومي قديم، لكنها تحتفظ بقدرة نادرة على الضحك والغناء والرقص. الجسد هناك يحمل ذاكرة الإقصاء، ويستعيد عبر الإيقاع توازنه المكسور، كأن الرقص نفسه وسيلة دفاع ضد تاريخ طويل من الإبعاد.

خلف هذا الإيقاع تختبئ حكاية طويلة من العزلة. فالمهمش يشبه ظلاً خرج من معركة بعيدة وواصل السير حتى اليوم. المجتمع يربطه ببقايا الغزو الحبشي القديم، وهو يحمل في داخله إحساساً عميقاً بالانتماء إلى هذه الأرض التي كبر فوق ترابها آباؤه وأحفاده. ومن داخل هذه المسافة القلقة ولدت طبقة اجتماعية كاملة، جماعة مرت فوقها القرون وهي تتنقل من صورة الجندي إلى صورة الخادم، ومن هامش السياسة إلى هامش المدينة.

رقصة  نسائية لمهمشات مدينة تعز  ـ منصات

في القرن السادس الميلادي عبرت جيوش مملكة أكسوم الحبشية البحر الأحمر، في سياق تقاطع المصالح الحبشية والبيزنطية بعد الاضطرابات التي أعقبت أحداث نجران ومرحلة ذي نواس. الجنود الذين جاؤوا مع تلك الجيوش توزعوا لاحقاً على السهول والمدن الساحلية، تزاوجوا مع السكان، وذابوا تدريجياً داخل الجغرافيا، فيما بقي اللون والملامح يحملان وظيفة الذاكرة الطويلة.

التاريخ اليمني يملك شغفاً غريباً بتحولات السلطة. أبناء الأحباش الذين دخلوا البلاد جنوداً وموالين ثم أرقاء في مراحل لاحقة صعدوا بعد قرون إلى الحكم، حين أسس نجاح الحبشي دولته في زبيد مطلع القرن الحادي عشر، بعد أفول الدولة الزيادية. ومنذ ذلك التاريخ وحتى سقوط الدولة النجاحية، عاشت تهامة واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً. رجال خرجوا من أسفل السلم الاجتماعي جلسوا فوق العرش، وسلالة سمراء حكمت مدينة كانت ترى في النسب سلطة موازية للسيف.

احدى المهمشات النازحات من تهامة ـ  وكالات

زبيد آنذاك كانت مدينة تتقاطع فيها التجارة والفقه والزراعة ورائحة الطين المبلل بمياه تهامة. ومن داخلها تمددت الدولة النجاحية، واستجلب النجاحيون المزيد من المقاتلين والموالين من أصول حبشية لتعزيز نفوذهم. وفي الوعي القبلي بدا المشهد كأن العالم يبدل أماكنه فجأة، فاشتعل الصراع مع الدولة الصليحية بعنف حمل داخله خوفاً قديماً من اختلال التوازن الاجتماعي.

في عام 1060م دس علي بن محمد الصليحي السم لنجاح الحبشي، لتدخل البلاد مرحلة ثأر طويلة. وبعد أكثر من عشرين عاماً، عاد سعيد بن نجاح وقتل علي الصليحي أثناء توجهه إلى الحج في المهجم، لترتفع رأسه على رمح في حادثة هزت اليمن الوسيط. السياسة آنذاك كانت تتحرك بعقل الثأر، والدول تشبه قبائل كبيرة تتبادل الدم والهيبة والانتقام.

ومع انتقال الحكم إلى الملكة أروى بنت أحمد الصليحي بعد وفاة زوجها المكرم أحمد، بدأت مرحلة جديدة من تفكيك نفوذ النجاحيين. أروى تحولت في الذاكرة الشعبية إلى رمز للسلطة التي أعادت رسم المسافات الاجتماعية. والعبارة التي تنسبها الذاكرة الشعبية إليها "لا يشعلوا ناراً ولا يبنوا داراً ولا يجاوروا جاراً" ظلت تتردد عبر القرون كأنها قانون اجتماعي طويل العمر.

النار بدت كأنها رمز للحضور، والدار صورة للاستقرار، فيما تحول الجار إلى اعتراف كامل بالانتماء. وهكذا أخذ التهميش شكله الرمزي الكامل، حيث تعيش جماعة كاملة عند حافة المكان وحافة الاعتراف معاً.

مع سقوط الدولة النجاحية على يد علي بن مهدي الحميري، انزلقت الجماعة المهزومة تدريجياً نحو القاع الاجتماعي. بعض الروايات تربط تلك المرحلة بظهور لفظة "الأخدام"، فيما أخذت المدن تعيد توزيع هذه الجماعة عند أطرافها في المحوى. المكان صار جملة اجتماعية تشرح موقع الإنسان داخل السلم الرمزي للبلاد.

اطفال مهمشون  من عدن ـ وكالات

تعاقبت الدول بعد ذلك، من الرسوليين إلى القاسميين حتى قيام الجمهورية، بينما بقي المهمش يتحرك داخل الدائرة نفسها. التهميش تحول مع الوقت إلى عادة اجتماعية مستقرة تتسرب عبر الألفاظ اليومية والنكات ونظرات الاحتقار العابرة.

ومع ذلك ظل الغناء يخرج من هذه المحاوي في ليالي الصيف. حين تهدأ المدن وتخفت ضوضاء السياسة، تبدو محاوي المهمشين كمصابيح صغيرة معلقة على أطراف العتمة. هناك يستعيد التاريخ صهيله القديم بصوت خافت، كأن ظلال بني نجاح ما زالت تدور في الأزقة الضيقة بحثاً عن قصر ضاع منذ قرون، أو عن باب قديم أغلقته المدن ذات يوم ثم نسيت مكان مفتاحه.