بين يدي مجلس القضاء الأعلى
كيف لنا تقديم الفاسدين إلى المحاكم وتجريدهم من مناصبهم في ظل سريان القانون رقم 6 لسنة 1995م بشأن إجراءات اتهام ومحاكمة شاغلي وظائف السلطة التنفيذية العليا، إذ إن الجهات المنوط بها التحقيق والمحاكمة لشاغلي الوظائف العليا، والتي تعني درجة نائب وزير وحتى رئيس الوزراء، في المادة رقم 10 نصت على "إحالة رئيس الوزراء أو نوابه أو الوزراء أو نوابهم إلى التحقيق أو المحكمة عما يقع منهم من جرائم أثناء تأدية أعمال وظائفهم أو بسببها بناء على قرار من رئيس الجمهورية أو اقتراح من خمس أعضاء مجلس النواب وموافقة ثلثي أعضائه"، وهو شرط تعجيزي لإقامة الدعوى الجزائية.. وإن تمسك الدولة بهذا القانون يأتي لقطع الطريق على محاكمة الفاسدين الذين استباحوا مقدراتنا وأغرقونا بالديون. هل توافقوننا على ذلك..؟
يشكل القانون رقم (6) لسنة 1995م بشأن إجراءات اتهام ومحاكمة شاغلي وظائف السلطة التنفيذية العليا، أحد أبرز العوائق القانونية أمام مكافحة الفساد في اليمن، وتحديدًا المادة (10) منه، التي أفرغت مبدأ المساءلة من مضمونه، وحولت محاكمة كبار المسؤولين إلى إجراء سياسي شبه مستحيل.
فالمادة (10) نصّت على أنه:
"لا تجوز إحالة رئيس الوزراء أو نوابه أو الوزراء أو نوابهم إلى التحقيق أو المحاكمة عما يقع منهم من جرائم أثناء تأدية أعمال وظائفهم أو بسببها إلا بناءً على قرار من رئيس الجمهورية أو بناءً على اقتراح من خُمس أعضاء مجلس النواب وموافقة ثلثي أعضائه".
وهذا النص لم يضع مجرد تنظيم إجرائي، بل أنشأ حصانة سياسية وإجرائية واسعة حالت دون إخضاع كبار المسؤولين للمساءلة الجزائية، رغم ما قد يثبت بحقهم من جرائم فساد أو إهدار للمال العام أو إساءة استعمال السلطة.
وتكمن خطورة المادة (10) في أنها قيّدت اختصاص النيابة العامة والأجهزة الرقابية والقضائية، وربطت تحريك الدعوى الجزائية بإرادة سياسية، الأمر الذي أدى عمليًا إلى تعطيل أحكام قانون الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد وقانون الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، إذ أصبح من المتعذر إحالة أي وزير أو نائب وزير إلى القضاء دون موافقات سياسية معقدة يستحيل تحققها في الواقع العملي.
كما أن اشتراط موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب يُعد شرطًا تعجيزيًا لا ينسجم مع مبادئ العدالة الجنائية، لأن الأصل في تحريك الدعوى الجزائية أن يتم متى توافرت أدلة الجريمة، لا أن يبقى مرهونًا بالتوازنات السياسية أو الولاءات الحزبية.
وتتعارض المادة (10) كذلك مع أحكام الدستور اليمني، وعلى وجه الخصوص المادة (41) التي قررت أن:
"المواطنون جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة".
فلا يجوز أن يتمتع شاغلو المناصب العليا بحماية إجرائية استثنائية تجعلهم بمنأى عن المحاسبة، في حين يخضع سائر المواطنين للإجراءات القضائية العادية.
كما أن المادة المذكورة أضعفت استقلال القضاء ومبدأ سيادة القانون، وحولت مكافحة الفساد من مسار قضائي إلى مسار سياسي، وهو ما أسهم في اتساع دائرة الإفلات من العقاب، واستباحة المال العام، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والديون والانهيار الإداري.
ولذلك فإن استمرار العمل بالمادة (10) بصيغتها الحالية يمثل عقبة حقيقية أمام أي إصلاح جاد، ويقتضي إعادة النظر فيها بما يكفل تمكين النيابة العامة والجهات الرقابية من مباشرة اختصاصاتها دون قيود سياسية، تحقيقًا لمبدأ المساواة أمام القانون، وترسيخًا لسيادة العدالة، وضمانًا لعدم إفلات الفاسدين من العقاب مهما علت مناصبهم.
