العقل السياسي الغائب… حين تُدار الأوطان بالأهواء لا بالرؤية الوطنية

في لحظات الأزمات الكبرى التي تمر بها الدول والمجتمعات، يصبح وجود العقل السياسي ضرورة وجودية لا مجرد ترف فكري أو تنظير نخبوي. فالأوطان لا تُبنى بردود الأفعال، ولا تُدار بالمزاج، ولا تُحمى بالقرارات المرتجلة، بل تحتاج إلى عقل سياسي قادر على قراءة الواقع، وفهم التوازنات، واستيعاب تعقيدات المجتمع والدولة، وتحويل الاختلافات إلى فرص للحوار لا إلى وقود للصراع.
لكن المعضلة التي تعاني منها كثير من البلدان، خصوصًا في العالم العربي، تكمن في غياب هذا العقل السياسي أو تغييب دوره لصالح نزعات فردية وشخصية ضيقة. إذ نلاحظ كيف يتحول بعض من يستولون على السلطة أو يديرون شؤون الدول إلى حكّام يتعاملون مع الدولة باعتبارها ملكية خاصة، تُدار وفق الأهواء والانفعالات، لا وفق منطق المؤسسات والمصالح الوطنية العليا. وعندما يغيب العقل السياسي، تحضر العصبية، ويُستبدل التفكير الاستراتيجي بردود الأفعال، وتصبح القرارات المصيرية خاضعة للمزاج لا للحسابات الوطنية الرشيدة.
ولا يقتصر الأمر على إدارة الدول فقط، بل يمتد إلى الأحزاب والتنظيمات السياسية التي يُفترض أن تكون مدارس لإنتاج الوعي السياسي وبناء القيادات. ففي كثير من الأحيان، يتم الدفع بأشخاص إلى مواقع القيادة لا استنادًا إلى الكفاءة والرؤية والخبرة، بل وفق الولاءات الشخصية أو الحسابات الضيقة. وهنا تتحول الأحزاب من مؤسسات سياسية منتجة للفكر والحلول إلى كيانات عاجزة عن إدارة نفسها، فضلًا عن المساهمة في إدارة المجتمع أو الدولة.
ومن أخطر مظاهر غياب العقل السياسي ما نشهده عند طرح المبادرات والحلول والمعالجات للأزمات. فكثير من المبادرات تُقدَّم بوصفها حلولًا وطنية، لكنها في حقيقتها تفتقر إلى القراءة الواقعية لطبيعة الأزمة، أو تُبنى على رغبات ذاتية لا على فهم عميق لبنية الصراع وموازين القوى وتعقيدات المجتمع. ولهذا تفشل الكثير من المبادرات قبل أن تبدأ، لأنها تُصاغ بعقلية دعائية أو انفعالية، لا بعقلية سياسية تدرك أن الحلول المستدامة تحتاج إلى توافقات وتنازلات ورؤية وطنية شاملة.
كما يظهر غياب العقل السياسي بوضوح في الحوارات الوطنية والمصيرية، التي يُفترض أن تكون مساحة لإنتاج حلول تاريخية، لكنها تتحول في أحيان كثيرة إلى ساحات للمكايدات أو تسجيل النقاط أو فرض الإرادات. وعندما يغيب التفكير السياسي الناضج عن طاولات الحوار، تتحول القضايا الوطنية الكبرى إلى أزمات أكثر تعقيدًا، وتصبح الحوارات جزءًا من المشكلة بدلًا من أن تكون طريقًا للحل.
إن العقل السياسي ليس مجرد قدرة على الخطابة أو المناورة، بل هو منظومة متكاملة تقوم على فهم الدولة، وإدارة المصالح، وتحليل الواقع، واستشراف المستقبل، والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة بأقل الخسائر الممكنة. وهو أيضًا القدرة على التمييز بين ما هو ممكن وما هو مستحيل، وبين ما يخدم الوطن وما يخدم الأفراد أو الجماعات الضيقة.
ولهذا فإن أزماتنا العربية، واليمنية على وجه الخصوص، لم تعد بحاجة فقط إلى حلول سياسية تقليدية، بل إلى إعادة إنتاج العقل السياسي ذاته؛ عقل يؤمن بالدولة لا بالغلبة، وبالحوار لا بالإقصاء، وبالمصلحة الوطنية لا بالمكاسب المؤقتة. فبناء الأوطان يبدأ أولًا ببناء الوعي السياسي الرشيد، وإعادة الاعتبار للمؤهلات المتخصصة، وللكفاءة والخبرة والفكر في إدارة الدولة والأحزاب والتنظيمات السياسية.
إن المجتمعات التي يغيب عنها العقل السياسي تبقى أسيرة الأزمات، تدور في الحلقة ذاتها من الصراع والانقسام والانهيار. أما المجتمعات التي تنجح في إنتاج عقل سياسي ناضج، فإنها تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات، وصناعة الاستقرار، وبناء دولة المؤسسات والقانون.
وفي النهاية، فإن الفعل السياسي الرشيد لا يولد من الفراغ، بل من حضور العقل السياسي القادر على تحويل السياسة من أداة للصراع والفوضى إلى وسيلة للبناء والتنمية وحماية الأوطان.
