السبت 9 مايو 2026
  • الرئيسية
  • الاستثمار الخليجي في اليمن: من التدفق إلى التسرب

الاستثمار الخليجي في اليمن: من التدفق إلى التسرب

يمثل الاستثمار الأجنبي المباشر أحد الركائز الأساسية لتمويل المشاريع التنموية في الاقتصاد، وقد بدأت الاستثمارات الخليجية في اليمن منذ عقد السبعينيات من القرن الماضي. وكانت الكويت السباقة للاستثمار المباشر في اليمن، من خلال الشركة الكويتية للاستثمارات العقارية، وتركزت تلك الاستثمارات في العاصمة صنعاء. كما أن السعودية كان لها استثمارات مباشرة محدودة في قطاع الطيران، من خلال المساهمة في رأس مال الخطوط الجوية اليمنية. وخلال تلك الفترة، لم تُعرف أي استثمارات مباشرة لدول الخليج الأخرى، مثل الإمارات أو قطر أو غيرها، رغم الفرص الاستثمارية المتاحة في قطاع الزراعة أو الصناعة أو الخدمات الأخرى.


وبعد تحقيق الوحدة المباركة في عام 1990، لم يشهد الاقتصاد اليمني أي مساهمات خليجية جادة في مجال الاستثمارات المباشرة، باستثناء استثمارات محدودة في قطاع النفط. ومن جانب آخر، تم تجميد بعض المشاريع الاستثمارية الكويتية بسبب الأزمة المرافقة لغزو العراق للكويت، وتمت تصفيتها في وقت لاحق.
وخلال العقد الأول من الألفية الثالثة، ساد جو من التفاؤل بانتعاش فرص الاستثمارات الخليجية في اليمن، تُوِّج بعقد مؤتمر فرص الاستثمار عام 2007، بالتنسيق بين الحكومة اليمنية والأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، حيث تم عرض حوالي 35 فرصة استثمارية واعدة في قطاعات النفط والطاقة والصناعة والسياحة والنقل وغيرها، بلغت قيمتها بحدود 7 مليارات دولار. وللأسف، لم يتحقق منها شيئًا، ويعود ذلك إلى أن المستثمر الخليجي لديه خيارات واسعة للاستثمار في اقتصادات أخرى، بالإضافة إلى العديد من العوائق التي لا توفر البيئة الملائمة والحاضنة للاستثمار الوطني أو الأجنبي.
ورغم ذلك، تدفقت بعض الاستثمارات الخليجية في قطاع النفط أو في المنطقة الحرة عدن، من خلال الشراكة الاستثمارية بين اليمن والإمارات لتطوير وتشغيل ميناء الحاويات. ففي عام 2008، وقعت الحكومة اليمنية وشركة موانئ دبي العالمية عقدًا لتشغيل وتطوير محطة الحاويات في ميناء عدن لمدة 30 عامًا، والتي كانت، للأسف، نموذجًا للاحتيال والإهمال. فقد تراجع نشاط الميناء بصورة مخيفة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الشراكة، حيث تدهور الوضع الاقتصادي للميناء، وتراجعت أنشطته، وعدم تنفيذ الشركة التزاماتها بتطوير البنية التحتية. وكان من المفترض أن يرتفع استيعاب الميناء من 500 ألف إلى مليون حاوية سنويًا، لكن في عام 2011 انخفض الاستيعاب إلى 130 ألف حاوية فقط، مما دفع الحكومة الائتلافية في اليمن، حينذاك، إلى إلغاء اتفاقية الشراكة مع شركة موانئ دبي القابضة في عام 2012، بعد تكبد اليمن خسائر فادحة جراء تلك الاتفاقية. ومن جانب آخر، بدأت شركة الديار القطرية الاستثمار في المشاريع العقارية في كل من صنعاء وعدن خلال الفترة 2008-2010، ولكنها توقفت بسبب اندلاع الحرب في عام 2014.
وخلال فترة الحرب، انهالت على اليمن تدفقات من نوع آخر، في شكل غارات وقذائف وصواريخ من دول التحالف، دمرت جزءًا كبيرًا من الاستثمارات العامة والخاصة في مختلف القطاعات. وحسب تقديرات البنك الدولي، فإن إعادة الإعمار لما دمرته الحرب وتعافي الاقتصاد الوطني يتطلبان استثمارات عامة بحوالي 54 مليار دولار، واستثمارات خاصة بحدود 46 مليار دولار. ولذلك تقع على دول التحالف المسؤولية التاريخية والأخلاقية للمساهمة الفاعلة في عملية إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد اليمني في الآجال المتوسطة والبعيدة.
وبالمقابل، توضح البيانات أن الاستثمار اليمني المباشر في الدول الخليجية تزايد بوتيرة ملموسة خلال العقود الماضية، وتحديدًا في الإمارات والسعودية، من خلال استثمارات القطاع الخاص اليمني أو المغتربين اليمنيين في تلك الدول، خاصة بعد تعديل القوانين والإجراءات الهادفة إلى إزالة العوائق أمام المستثمر الأجنبي في تلك الدول، وتقديم الحوافز التشجيعية المتعلقة بالإقامة الدائمة أو الجنسية للمستثمرين الوافدين. وهنا يمكن القول إن الدول الخليجية أصبحت منافسًا قويًا لجذب استثمارات المغتربين اليمنيين، التي كانت في السابق تتدفق إلى الداخل اليمني. إضافة إلى ذلك، فهناك دلائل ملموسة تبين أن المستثمرين من القطاع الخاص اليمني اتجهوا نحو الاستثمار في السعودية، إضافة إلى تسرب الاستثمارات الوطنية وهروبها إلى العديد من دول المنطقة والعالم، نتيجة القيود والمعوقات التي يواجهونها أثناء الحرب، في ظل كل من سلطتي صنعاء وعدن، مما تسبب في تعميق حالة الركود التي يعيشها الاقتصاد الوطني، والذي يعاني من تحديات جمة جراء الحرب العبثية لقرابة عقد من الزمن.
وتأكيدًا لذلك، تشير إحصائيات وزارة الاقتصاد السعودي إلى أنه، بنهاية عام 2024، حققت اليمن نموًا إيجابيًا في رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر بالمملكة، وسجل مبلغًا قدره 19.3 مليار ريال سعودي، مقارنة بقيمته بنهاية عام 2023، والتي بلغت 17.0 مليار ريال سعودي. وهذا مؤشر على زيادة مضطرة في تدفق الاستثمار اليمني إلى الاقتصاد السعودي في السنوات الأخيرة.
وإجمالًا، فإن اليمن يزخر بفرص واعدة للاستثمار، ويحتاج إلى أن يبذل أطراف الصراع فيه جهودًا مخلصة لإنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار، حتى تتكون بيئة حاضنة للاستثمار الوطني والأجنبي. وبالتأكيد، فإن المستثمر الخليجي سيكون مدعوًا للمشاركة في استغلال الفرص الاستثمارية في مجالات البنية التحتية، مثل: "الطاقة الكهربائية، والاتصالات، وتطوير الموانئ والمطارات"، أو في الصناعات الاستخراجية، مثل: "النفط، والغاز، والذهب، والنحاس، والنيكل، والحجر الجيري"، أو في الأمن الغذائي، مثل: "زراعة الحبوب، والفواكه، والثروة السمكية"، وحتى في بعض المجالات الخدمية، مثل الخدمات المالية والمصرفية، والخدمات الفندقية والسياحية وغيرها.