السبت 9 مايو 2026

ماتت صفية.. لكنها ليست الاخيرة

تموت ابنتك بين يديك، لا بسبب مرضٍ نادر، ولا لعجز الطب عن إنقاذها، بل لأنك لا تملك المال الكافي لإدخالها إلى العناية المركزة لساعات قليلة.

صفاء
تقف في ممرات الطوارئ تستجدي الرحمة قبل العلاج، وتصرخ باسم طفلتك بينما العيون تمر من حولك ببرود قاتل، وكأن المأساة مشهد يومي معتاد.
في تلك اللحظة لا يموت طفل فقط، بل يموت شيء من إنسانيتنا جميعاً.
صفية لم تكن رقماً في تقرير طبي، ولا خبراً عابراً في زاوية منسية. كانت طفلة لها أحلام صغيرة، وعائلة تعلقت بخيط أمل أخير وهي تحملها إلى المستشفى. لكن في اليمن، حتى الأمل يحتاج إلى فاتورة مسبقة الدفع.
في كثير من دول العالم، تُفتح أبواب الطوارئ لأي إنسان دون سؤال أولي عن رصيده البنكي. تُنقذ الحياة أولاً، ثم تُناقش الإجراءات المالية لاحقاً عبر التأمين أو الدولة أو الجمعيات الخيرية أو المتبرعين. لأن الإنسان هناك قيمة، ولأن الطب رسالة قبل أن يكون تجارة.
أما في اليمن، فقد تحول المرض إلى حكم بالموت على الفقراء. المستشفيات المنهكة، والقطاع الصحي المتهالك، والفساد الإداري، وغياب الرقابة، كلها اجتمعت لتخلق واقعاً قاسياً لا يرحم. واقعٌ قد تموت فيه طفلة لأن والدها عاجز عن دفع تكلفة ليلة واحدة في العناية المركزة.
الأكثر إيلاماً ليس فقط موت صفية، بل ذلك الصمت البارد الذي أحاط بمأساتها. كوادر طبية، موظفون، إدارات، أنظمة كاملة فقدت الشعور تجاه الألم الإنساني. حين يصبح مشهد الأب المنكسر وهو يحتضن طفلته المحتضرة أمراً عادياً، فهذه ليست أزمة مالية فقط، بل انهيار أخلاقي وإنساني عميق.
اليمن اليوم بلد يحاصره الموت من كل الجهات؛ حرب مستمرة، اقتصاد منهار، فساد يلتهم ما تبقى من مؤسسات الدولة، حكومات متنازعة، ميليشيات، وانعدام شبه كامل للقانون. وبين كل هذه الفوضى، يبقى المواطن اليمني وحده من يدفع الثمن.
المواطن البسيط الذي لم يعد يحلم بالرفاهية أو الازدهار، بل بأبسط حقوق البشر: ماء نظيف، كهرباء مستقرة، مدرسة آمنة، ومستشفى لا يترك أطفاله يموتون لأن جيوبه فارغة.
في اليمن، لم يعد الفقر مجرد معاناة معيشية، بل صار عقوبة جماعية..
قصة صفية ليست حادثة فردية، بل صورة مكثفة لوطن ينهار ببطء أمام أعين العالم. ماتت صفية ..
لكن السؤال الذي سيبقى يطارد ضمير اليمنيين جميعاً:
كم صفية أخرى يجب أن تموت حتى ندرك أن انهيار الإنسان أخطر من انهيار السياسة والاقتصاد؟