السبت 9 مايو 2026
  • الرئيسية
  • محمد قحطان.. وتراجيدية الغياب الطويل

محمد قحطان.. وتراجيدية الغياب الطويل

مدخل:

حين تضيع الحقيقة، وتتراجع الرحمة، وتُستباح كرامة الإنسان، تكون الخسارة أكبر من السياسة، وأفدح من الحرب نفسها.

لم تكن قضية محمد قحطان مجرد ملف أسير في زمن الحرب، بل جرحًا إنسانيًا وأخلاقيًا يمتحن صدق الشعارات، وما تبقّى من القيم في زمن الصراع.

محمد قحطان

لقد أُخذ الرجل عنوةً، ووُضع -بحسب ما رواه الشيخ الراحل محمد بن حسن دماج عن تجربته الشخصية- مع غيره من المعتقلين والشخصيات السياسية، في مواقع يُحتمل تعرّضها للقصف، في تنقلاتٍ أشبه باستخدامهم دروعًا بشرية، أو على أساس افتراض أن التحالف لن يستهدف تلك المواقع. وهي ممارسات لا يبررها دين، ولا يقرّها قانون، ولا تقبلها فطرة إنسانية سليمة.
أيُّ قسوةٍ تلك التي تسمح بتحويل الإنسان، حيًّا أو ميتًا، إلى ورقة تفاوض؟ وأيُّ ضميرٍ يقبل أن تُترك أسرةٌ سنواتٍ طويلة معلّقة بين الرجاء والعذاب، بينما تُحجب الحقيقة عمدًا، ويُوارى المصير خلف حساباتٍ غير إنسانية؟
في ميزان الإسلام، لا يجوز ظلم الإنسان في حياته ولا بعد وفاته. وقد شدّد القرآن الكريم والسنة النبوية على صيانة الكرامة الإنسانية، وتحريم الغدر والكذب وكتمان الشهادة. وفي شأن الأسرى خصوصًا، جاء التوجيه الرباني بالإحسان إليهم، لا المتاجرة بآلامهم.
أما إخفاء مصير الأسير لسنوات، مع العلم بوفاته، وترك أهله تحت وطأة الانتظار والقلق، والإيهام بأنه ما يزال حيًّا لتحقيق مكاسب تفاوضية، فهو فعل يجمع بين الكذب، والتضليل، وتعذيب الأسر نفسيًا ومعنويًا. وهي أمور لا يرضاها دين، ولا تقرّها أخلاق، ولا تليق بمن يرفعون رايات الهداية والعدل.
إن أكثر ما يؤلم في مثل هذه القضايا ليس فقط فداحة الفعل، بل التناقض بين الشعار والممارسة. فالانتساب إلى القرآن لا يكون باللافتات والخطابات، وإنما بالعدل، والصدق، وصيانة حقوق الناس وكرامتهم. وقد ذمّ الله تعالى من يقولون ما لا يفعلون.
ففي زمن الحروب تبقى للإنسان حرمته، حيًّا وميتًا. وقد نهت الشريعة حتى عن التمثيل بجثمان القتيل أو إهانته، فكيف بمن تُخفى وفاته عمدًا عن أسرته لسنوات، وتُترك العائلات رهينة الانتظار القاتل؟
إن الواجب الشرعي والأخلاقي والإنساني يقتضي كشف مصير جميع المفقودين بوضوح وصدق، وتسليم الجثامين إلى ذويها إن وُجدت، ووقف المتاجرة بمعاناة الأسر وآلامها، وتحكيم العدل والرحمة فوق حسابات الدعاية والشعارات.
رحم الله محمد قحطان، وكل من غابوا في عتمة السجون والحروب، وخالص العزاء والمواساة لأسرهم.
*برلماني وسفير سابق