معنى اغتيال مدير صندوق التنمية الاجتماعية بعدن
لا تبدو الجرائم التي تضرب مدينة عدن اليوم أحداثًا معزولة أو عابرة، بل تحمل في طياتها مؤشرات مقلقة على عودة مناخ الإرهاب والفوضى إلى مدينة لم تكد تلتقط أنفاسها من جراحها المتلاحقة. فعدن، التي ظلت لسنوات تحاول استعادة دورها كعاصمة مؤقتة ومركز للاستقرار، تجد نفسها مرة أخرى أمام موجة من العنف تستهدف الإنسان والمشروع معًا.

في توقيت بالغ الحساسية تمر به عدن، يأتي استهداف مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية كرسالة لا يجب التعامل معها كجريمة عابرة، مثلها كمثل مئات الجرائم الإرهابية التي شهدتها. وكانت آخرها اغتيال الأسبوع الماضي، بجريمة الاغتيال الإرهابي التي استهدفت الأستاذ عبدالرحمن الشاعر، رئيس مجلس إدارة مدارس النورس الأهلية، صباح السبت الموافق 25 إبريل 2026، في منطقة كابوتا بمديرية المنصورة، بجانب بوابة مدرسته الأهلية؛ إذ باشره ملثمون بوابل من الرصاص الحي، وأردوه قتيلًا في سيارته التي أكملت سيرها حتى ارتطمت بسيارة أخرى، كما ظهر في فيديو الجريمة. اغتيال مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية، البريطاني الجنسية وسام قايد، عصر أمس الأحد في حي إنماء السكني، هو استهداف لرمز يمثل بوابة تمويل وتنفيذ ترتبط بشبكات دولية كبرى تشمل البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والاتحاد الأوروبي، والوكالة الأمريكية للتنمية، إضافة إلى عدد من الدول المانحة. وبالتالي، فإن أي استهداف له ينعكس مباشرة على صورة عدن أمام العالم، وعلى مستوى ثقة الشركاء الدوليين بها؛ صورة بأن عدن غير آمنة، بهدف التأثير على مسار التنمية وتعطيل الشراكات الدولية. إذ لم يكن الهدف شخصيةً سياسية، ولا طرفًا في نزاع بين الأطراف المتصارعة، بل رجلًا اختار أن يكون في صف الناس؛ رجلًا عاد من الخارج لا ليعيش، بل ليُصلح. وهذا ما جعل الجريمة، في معناها الأعمق، اغتيالًا لفكرة التنمية نفسها في عاصمة الشرعية اليمنية المهلهلة. فهذه الجريمة لا تضعف (الدولة) الهشة بطبيعتها الراهنة بقدر ما تكشف عن حجم الجهات التي تحاول التشويش على الاستقرار، وتؤكد أن معركة عدن اليوم لم تعد أمنية وتنموية داخلية، بل أصبحت معركة إعادة ثقة بمدينة كانت، في زمن مضى، تشبه اسمها ومدينة كوزموبوليتية.
الفيديو المسرّب لعملية اختطافه يكشف عن مستوى غير مسبوق من التنظيم: سيارة تتوقف، رجال ملثمون يرتدون بدلات سوداء، يتحركون بهدوء كامل، بلا ارتباك، بلا تردد، وكأنهم ينفذون مهمة مدروسة بدقة. لم يكن المشهد عشوائيًا، ولم يبدُ عليه أي ارتباك، بل بدا أقرب إلى عملية احترافية تُدار بعقل بارد. حتى المكان — أمام منزله — لم يشكّل عائقًا، وكأن الرسالة كانت واضحة: لا أحد خارج دائرة الاستهداف في هذه المدينة المستباحة. فيديو الاختطاف، المشهد لمدير صندوق التنمية الاجتماعية في اليمن، وكيفية سحبته العصابة من سيارته وأوقعته أرضًا بكل قسوة وسط المدينة، وفي وضح النهار، ولم يجد من يحميه، وتكبيله وأخذه إلى مكان قريب وتصفيته وتركه جثة هامدة؛ فيديو كاشف عن هشاشة الوضع الأمني في العاصمة المؤقتة، ويحمل رسالة شديدة التهديد، رسالة سلبية لكل من يفكر أن يعود، أن يبني، وأن يساهم في البناء والتنمية، فضلًا عن كونه اختبارًا حقيقيًا للسلطة التي تمتلك زمام عدن الآن: هل تستطيع أن تحمي من يعملون في خدمة الناس؟ هل تستطيع أن تقنع الداخل والخارج بأن عدن عاصمة، مثل اسمها، تعصم حياة الناس ودماءهم وحقوقهم، وتمنحهم الأمن والأمان في بيوتهم؟
فما أقسى العيش والعمل تحت التهديد في بلدٍ لا يبدو أن فيه ملاذًا آمنًا إلا لمن يملك السلطة أو السلاح. في بيئة منفلتة تتراجع فيها العدالة، ويغيب فيها القانون، ويصبح الأمن امتيازًا لا حقًا. أغلب سكان عدن مدنيون عُزّل، لا يملكون القدرة على حماية أنفسهم، وأنا واحد منهم. هذا النمط من العنف المنفلت لا يقتل الأجساد فقط، بل يزرع الخوف في الوعي الجمعي. وهو خوف أعرفه جيدًا، وقد سبق أن عشته وحذرت من مخاطره الكارثية. كنت أكتب مندّدًا بالعنف والإرهاب ومخاطرهما أسبوعيًا تقريبًا، ولم تكن الكتابة حينها ترفًا أكاديميًا، بل مسؤولية لمن يفهم العواقب، ومحاولة لفهم ما يحدث، لكشف جذور هذا العنف، والدفاع عن فكرة الدولة في وجه الفوضى. دعوت مرارًا إلى بناء منظومة أمنية قائمة على القانون، لا على القوة العارية، وإلى حماية الحياة المدنية، لأنها جوهر أي استقرار حقيقي. لهذا، فما تحتاجه عدن اليوم يتجاوز ملاحقة الجناة ومحاكمتهم فحسب، إلى إعادة بناء شاملة: دولة قانون، مؤسسات فاعلة، قضاء عادل، وأجهزة أمنية تحمي الجميع دون استثناء. وتحتاج، بقدر ذلك، إلى تنمية حقيقية تعيد للناس إحساسهم بالحياة؛ فالإنسان الذي يرى مستقبلًا أمامه لا يتحول بسهولة إلى ضحية أو أداة للعنف. والأمان، في جوهره، ليس غياب الخوف فقط، بل حضور الطمأنينة. وبهذا المعنى نفهم قول الماوردي: لا تكون الدول إلا بعدل صحيح، وأمن راسخ، وأمل فسيح!
العلاقة بين الأمن والتنمية، كما سبق ونُشر في دراسة سابقة، ليست مسألة نظرية، بل ضرورة عملية؛ إذ لا يمكن أن يتحقق أحدهما دون الآخر. فحين يجوع الإنسان ويخاف ويُحرم، يصبح أكثر هشاشة، وحين يكون هشًا يصبح هدفًا سهلًا.
وبهذا المعنى، علينا فهم رسالة اغتيال وسام قايد؛ فالجريمة لا تستهدف الشخص بذاته، بل استهدفت المشروع برمته، لأنه كان يمثل الجسر بين الناس وفرصهم، بين الداخل والعالم، بين الفكرة والتنفيذ.
إن استهداف شخصيات تنموية بحجم وسام قايد يعني أن الخطر لم يعد مقتصرًا على الجانب الأمني فحسب، بل أصبح يستهدف البنية المجتمعية والاقتصادية، ويهدد بقتل روح المبادرة الإيجابية والعمل البنّاء. فحين يُقتل من يخدم الناس، يصبح السؤال المؤلم: من سيبقى ليبني المجتمع؟
لهذا، في ختام القول: عدن اليوم ليست بحاجة إلى إجراءات أمنية فاعلة وقادرة فحسب، بل إلى رؤية شاملة تحمي الإنسان والمشروع معًا، وتعيد الثقة إلى المدينة، وتمنع تحولها إلى ساحة مفتوحة لتصفية كل ما هو إيجابي فيها. فاستمرار هذه الجرائم دون مواجهة حقيقية سيؤدي إلى إفراغ المدينة من طاقاتها الخلاقة وقواها الحية، ويدفعها أكثر نحو دائرة الانهيار. وجريمة قتل التنموي وسام قايد ليست سوى جرس إنذار صارخ يجب أن يُسمع جيدًا، قبل أن تتسع دائرة الانهيار إلى ما لا يمكن احتواؤه.
