الأربعاء 6 مايو 2026
  • الرئيسية
  • الجامية.. التفكير بالنيابة عن الغائب

الجامية.. التفكير بالنيابة عن الغائب

في مكتبة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، طالب ينسخ من كتاب الشيخ الجامي. الشيخ يقول إن فلاناً من الناس مبتدع. الطالب يكتب العبارة ثم يضيف "وكل من وافقه مبتدع أيضاً". ومع مرور الوقت تستحيل العبارة منهجاً، والمنهج يستوي ديناً، والدين يصير سيفاً، ذلك الطالب ليس شخصاً بعينه.. ذلك الطالب هو الجامية كلها.

اجتماع لشيوخ دين

في تسعينيات القرن العشرين بالسعودية، كان المجال الديني يموج بتيارات تخبئ في جيوبها همس سيد قطب، ومن قلب تلك البيئة السلفية التي ضاقت ذرعاً بالحراك، خرجت الجامية كفعل محافظ يواجه ضجيج "الصحوة" بنبرة تعليمية باردة تشبه برود قاعات الاختبارات، حيث قدمت خطاباً يشتغل على رصف القواعد أكثر من حشد الجماهير، لتبدو الفكرة كقطار يتحرك فوق قضبان مرسومة سلفاً، وكل شيء يبدو مضبوطاً سلفاً، حدود الكلام وإيقاعه ومجاله، ولا يملك أحد حق العبث بإيقاع الرحلة أو حدودها.
جاء محمد أمان الجامي من "هرر" ليعلّم الحجاز كيف يعيد قراءة كتب ابن عبد الوهاب للمرة الألف. أعاد تثبيت المعاني بنفس الإيقاع وأحسن صناعة التكرار. علّم تلاميذه أن الإيمان يأخذ صورة اختبار دائم في الطاعة العمياء لمن يجلس على كرسي في المدينة المنورة أو الرياض. الاسم "الجامية" خرج من خارج الدائرة ثم استقر داخلها. أطلقه الخصوم كوسم ثم صار لقباً متداولاً.
ومع دوران العجلة بوقود ربيع بن هادي المدخلي، بدأت البنية النظرية تُحكم قبضتها وتتخذ من "التحذير" أداة عمل يومية، لتصبح الفتنة عنصراً إلى جانبه عبيد الجابري ضمن شبكة دعوية تنشر الرؤية نفسها. جعلت من الطاعة صنماً يتصدر المشهد، تتبعه نصوص تُستحضر لتثبيت هذا النسق الذي يجعل الحياة قائمة فرز طويلة والدين آلية ضبط دقيقة.
تفرغ الجاميون لحراسة المنهج كما يحرس حارس الأمن مدخلاً لا يدخل منه أحد. يكتبون الردود ويصنفون الناس إلى مسلم ومبتدع وكافر وحزبي. وفي القاعات الدراسية وغرف التليجرام المغلقة يتشكل حس حاد بالتفاصيل. الخلاف في مسائل جزئية يتحول إلى معيار انتماء ويأخذ حجماً يتجاوز حدوده. الولاء والبراء يتحركان كأداة تنظيم داخلية تمنح الجماعة شكلها وتحدد إيقاعها. والسماء تحضر في الوعي بنصين متوازيين، القرآن وخطاب أكاديمي صارم يتعامل معه كمرجعية مضافة.
عبارات الجامي تنتقل من سياقها التعليمي إلى أصول ثابتة مع تلاميذه. التدرج يحدث بهدوء، والرجل يتحول من عالم إلى علامة. ومن علامة إلى مرجع. ومن مرجع إلى خط أحمر. النقد يكتسب حساسية عالية، والاختلاف يأخذ طابع مواجهة مع البنية كلها.
العلاقة مع السلطة تتشكل بسلاسة. الخطاب يمنح الاستقرار مركزه لينسجم مع نظام يسعى إلى تثبيت حضوره. هذا التوافق العملي يعيد إنتاج نفسه في التفاصيل اليومية. الجاميون أكثر الناس انشغالاً بالسلطة وأقلهم تأثيراً فيها. يعلنون السمع والطاعة لولي الأمر. يحرّمون الخروج عليه. ثم يقضون أيامهم في نقد العلماء الذين يقبلون على السلطة.
هم مع السلطة إذا لمست جيبهم. ضدها إذا لمست منهجهم. في العلن يدافعون عن الدولة السعودية كنموذج مستقر، وفي اللقاءات الخاصة يظهر حديث مختلف عن اختلالات وواقع متغير. هذا هو الجامي المثالي، جسد في الحرم وعقل في الجنة. لسان في السياسة وقلب مشدود بالحذر.
الخطاب يغادر حلقات الدرس ويتجه الى الميدان. في جنوب اليمن تجد السلفية المدخلية حضوراً في بنية "الأحزمة الأمنية" وقوات "النخبة"، حيث انتقل التركيز من التأسيس الأول مع محمد أمان الجامي إلى مرحلة أكثر تنظيماً مع ربيع المدخلي. تعمل هذه العناصر ضمن ترتيبات أمنية تركز على الانضباط والطاعة العمياء للقيادة العسكرية باعتبارها تجلياً لولي الأمر.
في سوريا، على النقيض تماماً من الفصائل الثورية كـ "جيش الإسلام" أو "لواء التوحيد"؛ فبينما انخرطت تلك القوى في العمل المسلح ضد النظام، ظل الخطاب الجامي وفياً لأصله في تحريم الخروج، معتبراً تلك الفصائل "خوارج" أو "حزبيين" أفسدوا البلاد. الجامية هناك لم تحمل البندقية الثورية لكنها التزمت الصمت المنضبط أو الانحياز للاستقرار مهما كان ثمنه.
صيغ هجينة تجمع بين لغة الطاعة وبنية عسكرية نشطة، وتتحرك ضمن سياقات مختلفة عن التنظيمات الجهادية العابرة للحدود. الجامية تختبر تصورها في هندسة السلوك على أرض المعركة، وتنتج صورة الجندي المنضبط الذي يحمل بندقية ومعها تصور جاهز لتفسير ما يحدث.
حضور الجامية في الفضاء العام منخفض الصوت. الأثر يتسلل إلى طريقة الحديث عن الدين والسياسة، يعيد النقاش إلى خطوط مستقيمة ويمنح الأولوية للاتساق. الإيقاع يصبح أبطأ، والخطاب يميل إلى الترتيب. عند اشتداد الاضطراب تبرز هذه الرؤية كصيغة تعيد توزيع الأدوار داخل المجتمع، التزام بالقواعد وحركة منضبطة ونتيجة تميل إلى هدوء أطول.
إنهم فرسان الجدل الذي لا ينتهي. أبطال الردود التي لا تُقرأ. ينشغلون بمعارك نصية بينما العالم يتحرك بسرعة مختلفة. الدين يتحول إلى مادة مكتوبة تُدار وتُراجع، والإيمان يأخذ شكل ساحة تنافس بين تصنيفات متعددة.
على طاولة في قاعة المحاضرات، يستمر الطالب في النسخ. يضيف من تلقاء نفسه، والعبارات تواصل تحولها إلى منهج. الشيخ نفسه يتحرك داخل سلسلة ممتدة، ينقل عن شيخ قبله. السلسلة تمتد إلى الخلف. لا أحد يعرف أين بدأت. الجميع يعرف أنها لن تنتهي.