هذا الحب الجارف جزاء إخلاصه لوطنه
أبي...مازلتُ حتى الآن عاجزةً عن تقبّل كلمات الرحيل، ولا أجد لها مكانًا في قلبي...لكنني، وبشهادة الجميع، لا أنعى أبي وحدي، بل أنعى رحيل الفنان والإعلامي الكبير عبدالرحمن الحداد، الذي فقدت برحيله اليمن والوطن العربي قامةً فنية وإعلامية استثنائية، ورجلًا وطنيًا وحدويًا مخضرمًا، لم يختلف عليه اثنان في رقيّه ونزاهته وثبات مبادئه..

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بخبر فاجعة رحيلك يا أبي.
خبرٌ أحزن وأبكى الرجال والنساء، الكبار والصغار، وتوالت منشورات النعي المؤلمة محمّلةً بالقصص والمواقف والصور، تختلف أماكنها لكنها تتشابه جميعها في وصف شخصك، ووجودك العطر، خفة روحك، ووطنيتك وقيمك الراسخة وحضورك الراقي الذي جمع بين البساطة والهيبة، وتتشابه في شعور ألم وحسرة الفقد.
لم يكن أبي مجرد فنان أو إعلامي، بل كان نموذجًا نادرًا للإنسان الذي لم يتبدّل مع تغيّر الظروف؛ فلم يتلوّن، بل بقي أبيض كما هو، ثابتًا على مواقفه، نقيّ السريرة، مخلصًا لوطنه، زاهدًا نزيهًا.
كان وطنيًا بامتياز، لم يكن الوطن عنده مجرد انتماء، بل كان يسكنه قلبًا وروحًا، يعيشه في كلماته ومواقفه، ويحمله أينما كان.
وإلى جانب ذلك، فهو رمز للوحدة الوطنية، قولًا وفعلًا، حتى توحّدت القلوب على محبته، في مشهدٍ نادر يعكس صدق عطائه وعمق انتمائه، ولعل هذا الحب الجارف هو جزاء صدق إخلاصه، وعشقه الدائم لوطنه اليمن، الذي ظل فراقه ألمًا يسكنه حتى آخر أيامه.
في كل مرحلة من حياته، كان لكل من عرفه نصيب من قربه، ورصيد من الذكريات التي لا تُنسى.
والحقيقة أن من عرفه، حتى ولو في جلسة عابرة أو مشوار قصير، ترك في حياته أثرًا كبيرًا، واحتفظ له بمكان في ذاكرته.
كل من واسانا قال: "كان صديقًا عزيزًا"، رغم المسافات والغربة والتنقلات، إلا أن أثره ظل حاضرًا في كل محطة، بنفس الروح.
فيك سحرٌ يا أبي، يعجز أحد عن وصفه...
هذا حال أهلك، وأحبابك، وأصدقائك، وجيرانك، وجمهورك، وكل من مررت به ولو مرور الكرام.
ما بالنا نحن! نحن الذين كان لنا خلف هذه المكانة الكبيرة أب استثنائي!
كان لنا سندًا وأنيسًا، ربّى فينا القيم دون أن يلقّنها، وغرس فينا الدين والأخلاق وحب الوطن، والكرامة بلا تعالٍ، والثقة بلا غرور...
حتى أصبحت فينا ثوابت لا تتغيّر.
كنت أبًا حقيقيًا، داعمًا، منصتًا، محترمًا للجميع، كبيرًا وصغيرًا.
تعطي كل إنسان قدره، وترفع من أمامك بكلماتك، وتُنصت بكل احترام، وتُشعر من هو أمامك أنه الأهم...
ملأتنا منذ طفولتنا بكل معايير الثراء الحقيقي، لا الزائف، حتى لم تترك للحياة ولا لغيرك مجالًا لإبهارنا.
زرعت فينا شبعًا داخليًا حقيقيًا، جعلنا ثابتين رغم تسارع المتغيرات من حولنا، فلا يؤثر فينا شيء، كلها عابرة... إلا رحيلك.
رحيلك وحده... ليس أثرًا عابرًا أبدًا.
أبي...
ليس جديدًا عليّ أن أكتب عنك، فقد اعتدت أن أكتب لك في كل مناسبة، أو حتى دون مناسبة، حبًا بك فأنت سندي وداعمي ومُشجعي وصديقي الأقرب، لكنني اليوم أكتب عنك... دون أن تقرأ وترد.
أنت أول فقد لي، وأعظمه.
أنت مصابي وابتلائي... وهل يُبتلى الإنسان إلا فيما يُحب؟
لم أتوقع رحيلك أبدًا ولم يكن حدثًا عاديًا...
كانت الصدمة كزلزالٍ هزّ الأرض من تحتي، وأطفأ النور في عيني، وملأ قلبي بفراغ وعقلي بالإنكار وعدم التصديق.
ولولا الإيمان بالله، والاقتداء بك بالرضا وبالصبر، والاحتساب... لكنت تائهةً في وجعٍ لا يُحتمل، مكسورةً لا يسندني شيء، وغارقةً في حزنٍ يفوق احتمالي...
لم تُحب الوداع يومًا، بل كنت رجل المواعيد دومًا.. ولكنك رحلت عني دون ميعاد !
وأنا لم أقبل الوداعة، ولكن الحمد لله على قضاء الله وقدره.
اللهم صبرًا إلى حين ألقاه.
ابنتك: مروة عبدالرحمن الحداد
