الأربعاء 23 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • التصعيد الحـ..وثي ونقطة اللاعودة مع السعودية والشرعية اليمنية

التصعيد الحـ..وثي ونقطة اللاعودة مع السعودية والشرعية اليمنية

عندما يصبح الساحل ورقة ضغط على الرياض
في الجغرافيا السياسية، لا تقاس خطورة الحرب بعدد الصواريخ التي تُطلق فقط، وإنما بالمواقع التي تنتقل إليها القوة وبالأوراق التي تضيفها السيطرة الميدانية إلى ميزان الصراع، ومن هذه الزاوية تكتسب التطورات الأخيرة في الساحل الغربي اليمني أهميتها الاستثنائية، فالمخا والخوخة وحيس وذوباب ليست مجرد مديريات ومدن وبلدات تغيرت السيطرة عليها لذاتها، ولكن لأهميتها الجغرافية الاستراتيجية المسيطرة على جنوب البحر الأحمر، كما أن جزر ميون وزقر وحنيش ليست مجرد جزر متناثرة في جنوب البحر الأحمر، بل بوابة مضيق باب المندب، وجمع هذه المواقع في منظومة جغرافية واحدة يعني أن الصراع اليمني اقترب من واحدة من أكثر نقاط الاختناق حساسية في الاقتصاد والأمن العالميين وطرق التجارة والطاقة العالمية.

وهنا تتغير طبيعة معادلة الصراع ضد السعودية والشرعية اليمنية، فالحوثيون والحرس الثوري الإيراني لا يضيفون إلى نفوذهم العسكري أراضي جديدة فحسب، بل يضيفون إلى أوراقهم قدرة مضاعفة للتأثير في البحر الأحمر، وعلى ربط التهديد البري للمملكة بتهديد بحري يمس طرق الطاقة والتجارة الدولية.
الأكثر أهمية أن هذه الجغرافيا تقع عند تقاطع ثلاث دوائر استراتيجية: الأمن السعودي، والأمن اليمني، وأمن الملاحة الدولية، ولذلك فإن ما يحدث في الساحل الغربي لا يمكن اختزاله في ميزان عسكري محلي؛ لأنه يعيد رسم قيمة اليمن في الصراع الإقليمي، ويمنح باب المندب موقعًا مركزيًا في تحديد شكل المرحلة المقبلة.
ومن هنا تبرز «نقطة اللاعودة»، ليس بمعنى أن الحرب الشاملة أصبحت حتمية، وإنما بمعنى أن استمرار تمدد الحوثيين نحو الساحل والجزر قد يغيّر قواعد الصراع نفسها، ويجعل أية تسوية سياسية مستقبلية مضطرة للتعامل مع واقع جغرافي وعسكري جديد لا يمكن تجاهله، بالإضافة إلى أن التجارب السابقة مع مليشيات الحوثي أثبتت عدم وجود أية نية للسلام أو القبول بالآخر سواء الطرف الداخلي اليمني أو الخارجي السعودي، فمنذ حروب صعدة الست وحتى اليوم لا يوجد لدى مليشيات الحوثي أية قناعة بالمواطنة المتساوية أو العيش بدون حرب واقتتال وإيذاء الداخل والخارج.

من التصعيد الحدودي إلى الصراع على الجغرافيا

خلال السنوات الماضية، ركز الحرس الثوري الإيراني على أن يسلح الحوثي، وأن يتم بناء قوة عسكرية قادرة على تهديد العمق السعودي بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتوازي مع ترسيخ سيطرتهم على صنعاء والمرتفعات الشمالية والغربية والوصول إلى مضيق باب المندب بأي ثمن كان.
لكن الانتقال نحو الساحل يضيف بعدًا مختلفًا.
فالمخا والخوخة وحيس وذوباب تقع ضمن مسرح جغرافي متصل باتجاه باب المندب، والسيطرة عليها تمنح الحوثيين مساحة أوسع للحركة والانتشار، وتفتح أمامهم مجالًا للربط بين المناطق الساحلية والمواقع العسكرية الداخلية، ولهذا يحاولون الآن الاتجاه نحو الداخل في أرياف تعز، وفصل مدينة تعز ومحاصرتها من منفذها الوحي المتبقي باتجاه التربة وعدن، وكذلك تأمين المرتفعات الجبلية الحاكمة لمضيق باب المندب.
وإذا اقترنت السيطرة الساحلية بالوجود في الجزر الاستراتيجية، فإن الجماعة تصبح قادرة على الجمع بين العمق البري والموقع البحري، وقدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي صعدت من الاستهدافات للمدن والمطارات والقواعد العسكرية والمنشآت الحيوية للمملكة العربية السعودية.
وكذلك فإن هذه التركيبة تختلف عن مجرد امتلاك قوة صاروخية بعيدة المدى؛ لأنها تمنح التهديد قاعدة جغرافية قريبة من الممر البحري نفسه.
فالسيطرة على مدينة تمنح نفوذًا ميدانيًا، لكن السيطرة على الساحل والجزر القريبة من الممرات البحرية تمنح قيمة جيوسياسية تتجاوز حدود اليمن.

باب المندب في قلب المعادلة

تكمن أهمية باب المندب في أنه حلقة أساسية في الطريق البحري الذي يربط المحيط الهندي بخليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس ثم البحر المتوسط.
ولهذا فإن أي تحول كبير في السيطرة على المواقع القريبة منه لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا يمنيًا داخليًا.
وتكتسب جزيرة ميون أهمية خاصة بسبب موقعها داخل مضيق باب المندب، فيما تضيف جزر زقر وحنيش عمقًا جغرافيًا وعسكريًا في جنوب البحر الأحمر، ومن الناحية الاستراتيجية، فإن امتلاك مواقع جزر متقدمة يتيح مراقبة أوسع للمجال البحري، ويوفر نقاط ارتكاز يمكن استخدامها في الاستطلاع والانتشار والضغط على حركة الملاحة.
ولا يعني ذلك أن السيطرة على هذه المواقع تمنح الحوثيين قدرة مطلقة على إغلاق باب المندب أو التحكم في كل سفينة تمر عبره، فذلك يرتبط بقدراتهم العسكرية الفعلية وبالوجود البحري والجوي للقوى الإقليمية والدولية، لكن وجود قوة مسلحة بالقرب من المضيق وتمتعها بقدرات صاروخية ومسيّرات يرفع مستوى المخاطر ويزيد تكلفة حماية الممر الملاحي.
وهنا تتحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة في صراع دولي أوسع.

إيران واليمن كورقة في الصراع الإقليمي

لا يمكن قراءة القوة العسكرية الحوثية بمعزل عن علاقتها بإيران، فقد تطورت خلال السنوات الماضية علاقات سياسية وعسكرية وتقنية بين الطرفين، وأصبح الحوثيون جزءًا مهمًا من شبكة النفوذ الإقليمي المرتبطة بطهران.
وتكمن أهمية اليمن بالنسبة إلى إيران في موقعه الجغرافي؛ فهو يمنح حليفها المحلي موطئ قدم قريبًا من خطوط التجارة والطاقة التي تربط الخليج بالمحيط الهندي والبحر الأحمر، وبعيدًا جغرافيًا عن الأراضي الإيرانية.
وبذلك أصبحت القوة الحوثية ذات وظيفة تتجاوز الصراع على السلطة داخل اليمن، فكلما ازدادت قدرة الحوثيين على تهديد الأراضي السعودية أو الملاحة في البحر الأحمر، ازدادت القيمة الاستراتيجية لليمن في الحسابات الإقليمية الإيرانية.
ومما يعني أن كل قرار حوثي يصدر هو بالضرورة بأمر مباشر من طهران والحرس الثوري الإيراني، لأن طبيعة العلاقة بين الطرفين تجعل أي توسع حوثي على الساحل موضع اهتمام إقليمي يتجاوز حدود الحرب اليمنية، ويكمل نظرية التصعيد الإيراني من خلال خنق صادرات الطاقة والتجارة في مضيقي هرمز وباب المندب.

لماذا تمثل السعودية الهدف الأكثر حساسية؟

تواجه السعودية اليوم معادلة أمنية مركبة، فهناك التهديد المباشر لأراضيها ومنشآتها الحيوية، وهناك في الوقت نفسه التهديد البحري على امتداد البحر الأحمر، إضافة إلى التداعيات المحتملة على الطاقة والتجارة.
وتزداد حساسية الوضع عندما تتزامن الضغوط على البحر الأحمر مع اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، فالمضيقان يمثلان نقطتي اختناق بحريتين بالغتي الأهمية في منظومة الطاقة والتجارة العالمية، وأي اضطراب متزامن فيهما يمكن أن يرفع المخاطر والتكاليف على حركة النفط والغاز والبضائع بين الخليج وآسيا وأوروبا.
ولهذا فإن أمن الساحل الغربي اليمني لم يعد منفصلًا عن الأمن القومي السعودي والأمن الإقليمي والدولي بشكل عام.
كما أن استمرار تهديد المدن والمنشآت السعودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتزامن مع امتلاك الحوثيين مواقع متقدمة على البحر الأحمر، يضع الرياض أمام معادلة يصعب معها الاكتفاء بسياسة إدارة التهديد بدلًا من معالجة مصادره والوصول مع مليشيات الحوثي إلى نقطة اللاعودة.

الشرعية اليمنية أمام اختبار مختلف

بالنسبة إلى الشرعية اليمنية، فإن فقدان أجزاء من الساحل الغربي ليس مجرد خسارة عسكرية.
فالساحل يمثل جزءًا أساسيًا من الجغرافيا الاقتصادية والسيادية للدولة اليمنية، والسيطرة الحوثية على الموانئ والمواقع البحرية تقلص قدرة الحكومة المعترف بها دوليًا على ممارسة وظائف الدولة، وتضعف اتصالها بالمجال البحري الحيوي.
كما أن امتلاك الحوثيين للموانئ والمواقع الساحلية والجزر الاستراتيجية يمنحهم أوراق قوة إضافية في أية مفاوضات مستقبلية أو استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، وأهمها القرار 2216.
وهنا تكمن المشكلة السياسية الأعمق: التفاوض مع جماعة تمتلك السلاح الثقيل وتسيطر على موانئ وممرات استراتيجية، ولا يوجد لديها أسس المواطنة المتساوية، وتريد إقامة حكم ولاية الفقيه المستمد شرعيته من الله لا من البشر والانتخابات، أو مفهوم التبادل السلمي للسلطة، ولن يكون كل هذا شبيهًا بالتفاوض مع قوة سياسية تقليدية تقبل بالعبش المشترك والمواطنة المتساوية.
لذلك فإن أية تسوية مستقبلية تحتاج إلى معالجة مسألة السلاح وفرض السيطرة بالقوة واستعباد اليمنيين بادعاء الحق الإلهي المزعوم، بخاصة مع السيطرة على الموانئ والجزر والممرات البحرية، وليس فقط توزيع المناصب أو التوصل إلى ترتيبات سياسية مؤقتة.

الساحل الغربي هو مفتاح التوازن اليمني

من منظور جيوسياسي، يمثل الساحل الغربي الحلقة التي تربط الداخل اليمني بالبحر الأحمر.
فحيس والخوخة والمخا وذوباب تقع ضمن مسرح جغرافي واحد يمتد باتجاه باب المندب، بينما تمثل الحديدة مركزًا ساحليًا واقتصاديًا وعسكريًا بالغ الأهمية.
وفي المقابل، تمنح المرتفعات الغربية في تعز وحجة والحديدة عمقًا بريًا يساند السيطرة الساحلية، ولذلك فإن المعركة على الساحل لا يمكن فصلها عن المعركة على المرتفعات المطلة عليه.
فإذا استقرت السيطرة الحوثية على هذا الامتداد، فقد تصبح الجماعة أمام تركيبة تجمع بين الموانئ والساحل والجزر والمناطق المرتفعة.
وهذه التركيبة هي التي تجعل استعادة التوازن في الساحل أكثر أهمية من استعادة موقع عسكري منفرد، لأن السيطرة على الساحل تعيد تشكيل ميزان القوة في اليمن كله.

التداعيات على مصر وقناة السويس

لا يمكن تجاهل مصر في هذه المعادلة.
فباب المندب يمثل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بينما تمثل قناة السويس بوابته الشمالية إلى البحر المتوسط، وأي اضطراب طويل الأمد في حركة السفن عبر البحر الأحمر يمكن أن يؤثر في حركة التجارة العابرة للقناة وإيراداتها، كما يمكن أن يدفع شركات النقل إلى استخدام طرق أطول وأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح وخنق ميناء ينبع وخط شرق غرب للمملكة العربية السعودية.
ومن هنا فإن استقرار باب المندب يرتبط مباشرة بالمصلحة الاقتصادية المصرية والسعودية.
كما أن استمرار التوتر في جنوب البحر الأحمر يعني أن الأمن البحري لم يعد قضية مرتبطة باليمن والسعودية ومصر فقط، وإنما أصبح قضية تخص الاقليم ودول الخليج والقوى الدولية التي تعتمد على حرية الملاحة.

من اليمن إلى النظام الأمني للبحر الأحمر

التطورات الأخيرة تعيد تشكيل موقع اليمن في المعادلة الإقليمية.
فالولايات المتحدة والقوى الأوروبية تنظر إلى باب المندب باعتباره جزءًا من حرية الملاحة الدولية، ومصر تنظر إليه باعتباره مدخل قناة السويس، والسعودية تنظر إليه من زاوية أمنها البحري والطاقة، بينما ترى إيران في النفوذ الحوثي ورقة ضغط تقع بالقرب من خطوط التجارة العالمية.
أما الصين، فتتأثر مباشرة بأي اضطراب في طرق التجارة الممتدة بين آسيا وأوروبا، فيما ترتبط مصالح روسيا أيضًا بالتوازنات الجديدة في البحر الأحمر والمنطقة.
وبذلك يصبح اليمن نقطة تقاطع لمصالح قوى عديدة، الأمر الذي يجعل أي تغير كبير في السيطرة على الساحل قابلًا لأن تكون له تداعيات إقليمية ودولية تتجاوز حدود الحرب اليمنية.

مفارقة التوسع الحوثي

التوسع الجغرافي يمنح الحوثيين أوراق قوة جديدة، لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى تعرضهم.
فكلما اتسعت سيطرتهم على الساحل والجزر، أصبحت مواقعهم أكثر أهمية بالنسبة إلى خصومهم، وأصبحت خطوط الإمداد والانتشار أطول، كما اتسعت مساحة المناطق التي يتعين عليهم تأمينها.
وهذا يعني أن السيطرة الساحلية لا تمثل بالضرورة نهاية الصراع، وإنما يمكن أن تكون بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا، ينتقل فيها التنافس من السيطرة على الأرض إلى القدرة على الحفاظ عليها وتأمينها وإدارتها.
ومن هنا فإن قيمة الساحل الحوثي لا تقاس بمساحته فقط، وإنما بقدرته على إنتاج نفوذ مستدام.

نقطة اللاعودة مع السعودية

إن مفهوم «نقطة اللاعودة» لا يعني بالضرورة الذهاب الفوري إلى حرب شاملة، لكنه يعني أن قواعد التعامل السابقة مع الحوثيين أصبحت أكثر صعوبة، ولا بد من مقاربة محلية وإقليمية ودولية جديدة تتجاوز تأمين مضيق باب المندب، ولكن القضاء على مصدر التهديد وإنهاء معاناة الشعب اليمني باستعادة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي.
فعندما تمتلك الجماعة قدرة على تهديد العمق السعودي، وفي الوقت نفسه توسع سيطرتها على الساحل والجزر القريبة من باب المندب، فإن التهديد لم يعد محصورًا في الحدود البرية أو الهجمات الصاروخية.
لقد أصبح تهديدًا مركبًا يجمع بين الصواريخ والطائرات المسيّرة والجغرافيا الساحلية والممرات البحرية.
وهذا يجعل السعودية أمام ضرورة إعادة صياغة مقاربتها للأمن اليمني على أساس أن استقرار المملكة مرتبط بصورة مباشرة بطبيعة القوة المسيطرة على الساحل الغربي اليمني والعاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي.

نقطة اللاعودة مع الشرعية اليمنية

أما بالنسبة إلى الشرعية اليمنية، فإن نقطة اللاعودة ترتبط بخطر تحول السيطرة الحوثية من واقع عسكري قابل للتغيير إلى واقع جغرافي وسياسي طويل الأمد.
كلما طال بقاء الحوثيين في الموانئ والساحل والجزر، ازدادت قدرتهم على بناء مؤسسات أمر واقع وتعزيز مواردهم وإعادة تنظيم قواتهم، وأصبح تغيير هذه المعادلة أكثر تعقيدًا.
لكن استعادة المناطق لا يمكن أن تكون عسكرية فقط؛ إذ إن استعادة الأرض دون بناء مؤسسات أمنية وإدارية وخدمية قادرة على تثبيت السيطرة قد تعيد إنتاج الأزمة بصورة مختلفة.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية بالنسبة إلى الشرعية ليست استعادة الجغرافيا فحسب، وإنما تحويل هذه الجغرافيا إلى جزء من دولة يمنية قادرة على إدارة حدودها وموانئها ومياهها الإقليمية.

ماذا يعني ذلك لمستقبل اليمن؟

الخطر الأكبر يتمثل في تحول اليمن إلى دولة منقسمة وظيفيًا، يكون فيها طرف مسلح مسيطرًا على العاصمة والمرتفعات ومناطق واسعة من الساحل والموانئ، بينما تتوزع بقية مناطق البلاد بين قوى محلية وإقليمية متعددة.
مثل هذا الوضع لا ينتج استقرارًا، بل يرسخ اقتصاد الحرب ويجعل الموانئ والممرات البحرية أدوات للصراع السياسي والعسكري.
كما أن استمرار هذا الانقسام سيجعل اليمن أكثر قابلية لأن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بدلًا من أن يكون دولة تمتلك قرارها السيادي وتتحكم في جغرافيتها البحرية.
ومن هنا فإن استعادة الدولة اليمنية لوظيفتها لا تتعلق فقط باستعادة صنعاء، وإنما أيضًا باستعادة السيطرة على الموانئ والساحل والجزر والممرات البحرية.

المعركة المقبلة ليست عسكرية فقط

أية استراتيجية للتعامل مع التطورات الجديدة تحتاج إلى الجمع بين البعد العسكري والسياسي والاقتصادي.
عسكريًا، تحتاج القوى المناهضة للحوثيين إلى إعادة تنظيم الجبهات وتوحيد القرار العسكري ومنع تفكك القوى الموجودة على الساحل.
وسياسيًا، تحتاج الشرعية إلى بناء إطار وطني أوسع يضم القوى اليمنية المناهضة للحوثيين ضمن مشروع دولة، بدلًا من استمرار تعدد مراكز القرار.
واقتصاديًا، يجب أن يرتبط تحرير الموانئ والساحل بخطة لإعادة تشغيلها وتوفير الخدمات وتأمين التجارة وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
أما إقليميًا، فإن حماية باب المندب تحتاج إلى ترتيبات أمنية واضحة تضمن حرية الملاحة وتحول دون استخدام الأراضي والجزر اليمنية كمنصات لتهديد السفن.

الخلاصة

التصعيد الحوثي لم يعد مجرد مواجهة بين جماعة مسلحة والحكومة اليمنية، ولا مجرد ملف أمني سعودي.
إن السيطرة على المخا والخوخة وحيس وذوباب والجزر اليمنية، والاقتراب من عدن والسيطرة على باب المندب وعلى جزر ميون وحنيش وزقر وما يرتبط بها من مواقع استراتيجية في كهبوب والصبيحة والوازعية وموزع ومقبنة وغيرها، تنقل الصراع إلى مستوى جيوسياسي أوسع، لأن الساحل الغربي أصبح مرتبطًا مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس وأمن الطاقة والتجارة الدولية.
ومن هنا تصبح السعودية والشرعية اليمنية أمام مرحلة مختلفة؛ مرحلة لم يعد فيها احتواء التهديد وحده كافيًا، لأن استمرار السيطرة الحوثية على الجغرافيا الساحلية قد يحول واقعًا ميدانيًا مؤقتًا إلى معادلة استراتيجية طويلة الأمد.
أما مستقبل اليمن، فلن يتحدد فقط بمن يسيطر على صنعاء، وإنما أيضًا بمن يسيطر على الساحل والموانئ والجزر وباب المندب، ولقد أصبحت الجغرافيا البحرية جزءًا من معركة الدولة اليمنية نفسها، وأصبح باب المندب أحد المفاتيح الرئيسية لأية تسوية مستقبلية.