الخميس 27 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • إنصاف اليمن... هو الاختبار الحقيقي للتحول في الجزيرة

إنصاف اليمن... هو الاختبار الحقيقي للتحول في الجزيرة

في ظل الصراع المحتدم في المنطقة، والتحولات المتسارعة التي تعيد رسم ملامح النظامين الإقليمي والدولي، أتابع باهتمام ما يُطرح في لقاءات ومقالات وتصريحات لسياسيين وإعلاميين ومسؤولين خليجيين حول أهمية التحام اليمن بالمنظومة الخليجية.

وهو طرحٌ في جوهره منطقي ومحمود، إذا صدقت النوايا وتحول إلى رؤية عملية تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، خصوصًا في ظل عالم يتجه بسرعة نحو نظام متعدد الأقطاب، بما يفرض على دول المنطقة تعزيز تكتلها وإعادة التفكير في منظومات أمنها واقتصادها وعلاقاتها الإقليمية.
غير أن أي توجه جديد يرسم مستقبل العلاقة بين اليمن وجيرانه لا يمكن أن يكتمل من دون إنصاف اليمن، والنظر بجدية إلى ما لحق به خلال العقود الماضية.
فليس من الإنصاف قراءة تاريخ اليمن الحديث بمعزل عن محيطه في الجزيرة العربية. واليمن ليس جارًا عابرًا في جغرافيتها، ولا دولة هامشية في تاريخها، بل جزء أصيل منها، وامتداد تاريخي وحضاري عميق، ارتبط اسمه بجذور الحضارة العربية منذ آلاف السنين.
كما أن استقرار اليمن وقوته لم يكونا يومًا شأنًا يمنيًا خالصًا، بل مصلحة مشتركة للجزيرة والمنطقة بأسرها.

شريك أُبعد عن الشراكة

على مدى عقود، لم يكن تعامل الجوار مع اليمن دائمًا منسجمًا مع مقتضيات حسن الجوار، ولا مع حقيقة موقعه الجغرافي وارتباطه التاريخي والديني والثقافي والحضاري.
فبدل أن يُنظر إلى اليمن باعتباره شريكًا طبيعيًا في منظومة الجزيرة العربية، ظل خارج أهم أطرها السياسية والاقتصادية والأمنية، وحيل دون أن يكون جزءًا من منظومة مجلس التعاون الخليجي، رغم ما يمتلكه من مقومات بشرية وجغرافية وتاريخية تؤهله لأن يكون عنصر قوة واستقرار.
ولم تتوقف آثار ذلك عند حدود التهميش السياسي والاقتصادي، بل شهد اليمن، في مراحل مختلفة، صراعات وتدخلات وسياسات أسهمت في إضعاف الدولة ومؤسساتها، واستنزاف قدراتها، وتعطيل فرص نموها.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يقف اليمن أمام واقع بالغ القسوة: دولة أنهكتها الصراعات، ومجتمع أثقلته الحاجة والحرمان، ومؤسسات أضعفتها الانقسامات، وشعب يدفع ثمن صراعات لم يكن وحده من صنعها.
وهنا يبرز السؤال:
هل كان يمكن لليمن أن يصل إلى هذه الحال لو عومل منذ البداية كشريك في أمن الجزيرة واستقرارها، لا كملف أمني ينبغي احتواؤه أو قوة ينبغي تحجيمها؟

مفارقة مؤلمة

المفارقة أن اليمن، عندما كان أكثر تماسكًا وامتلك مؤسسات دولة وقانون، كان أكثر قدرة على الاعتماد على نفسه، وكان يمكن أن يدخل في منظومة مجلس التعاون بوصفه شريكًا قادرًا على الإسهام والتأثير.
أما اليوم، وبعد أن أرهقته الحروب والانقسامات والأزمات، فإن الحديث عن استيعابه يأتي في ظروف مختلفة؛ ظروف تجعل الشراكة الحقيقية أكثر صعوبة، وتفتح الباب لأن يكون انضمامه ـ إن حدث ـ من موقع الاحتياج لا من موقع التكافؤ.
وهنا ينبغي التوقف.
فالمطلوب ليس أن يُستدعى اليمن إلى أي منظومة بعد أن يفقد عناصر قوته، وإنما أن يُمكَّن من استعادة دولته ومؤسساته واقتصاده ووحدته، حتى يدخل شريكًا كامل الحقوق والكرامة، قادرًا على أداء دوره في حفظ أمن الجزيرة والمنطقة، لا تابعًا يحتاج إلى حماية الآخرين أو مساعدتهم.

التحول الحقيقي يُقاس بالجار

خلال السنوات الأخيرة، شهد خطاب الرياض تحولًا مهمًا نحو السلام والتنمية والاستقرار، وتوسعت الرؤى والمشروعات التي تتحدث عن بناء المستقبل وتنويع الاقتصاد وتعزيز الأمن والانفتاح على العالم، بتوجه وطموح جديدين.
وهذا تحول يستحق التقدير.
لكن التحول الحقيقي لا يُقاس بالخطاب وحده، وإنما بكيفية التعامل مع الجار، واليمن هو الاختبار الأقرب والأوضح لهذا التحول.
فالانتقال من تهميش الجار لجاره إلى التعاون، ومن الصراع إلى السلام، ومن الإقصاء إلى الشراكة، لا يتحقق إذا ظل اليمن مجرد ساحة لإدارة التوازنات أو ملفًا أمنيًا أو منطقة نفوذ متنافسًا عليها، بل يكتمل عندما يصبح شريكًا في السلام والتنمية والأمن في الجزيرة والإقليم.
وإذا كانت الرياض تريد أن تقدم للعالم نموذجًا جديدًا في القيادة الإقليمية، يقوم على التنمية والسلام والاستقرار والمشروعات الحضارية، فإن اليمن وطريقة التعامل معه يمثلان ساحة الاختبار الأهم لإثبات صدقية هذا التوجه الإنساني والحضاري.

لا شراكة حقيقية من دون يمن قوي

من الخطأ الاعتقاد أن أمن الجزيرة العربية يمكن أن يتحقق من خلال يمن ضعيف أو ممزق.
فاليمن القوي والمستقر ليس خطرًا على جواره، بل أحد أهم ركائز أمنه واستقراره.
واليمن القادر على بناء دولته ومؤسساته واقتصاده سيكون أكثر قدرة على حماية حدوده، وتأمين سواحله، ومكافحة الإرهاب والجريمة، وحماية الملاحة، والمساهمة في استقرار البحر الأحمر وباب المندب والخليج.
أما اليمن المنهك والمنقسم والمثقل بالصراعات، فسيظل مصدر قلق للمنطقة والعالم، مهما تعددت محاولات إدارة أزمته.
ولهذا فإن مساعدة اليمن على استعادة عافيته ليست منّةً عليه، بل استثمار في أمن المنطقة ومستقبلها.
وإذا كانت المرحلة الجديدة تريد بالفعل طي صفحات الماضي، فإن البداية الحقيقية لا تكون بإعادة صياغة صورة الجوار أمام العالم فحسب، وإنما بإعادة الاعتبار إلى اليمن.
والاعتبار لا يكون بالشعارات، بل بتمكين اليمنيين من استعادة دولتهم ومؤسساتهم، والحفاظ على وحدتهم، وبناء اقتصادهم، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإتاحة المجال لهم ليقرروا مستقبل بلدهم بعيدًا عن الوصاية والتجاذبات الخارجية.
وعندها فقط يمكن الحديث عن شراكة حقيقية؛ شراكة لا تقوم على التابع والمتبوع، ولا على القوي والضعيف، وإنما على الإخاء والندية والاحترام والمصالح المشتركة.
فإذا كان اليمن سينضم إلى المنظومة الخليجية، فينبغي ألا يعود إليها منكسرًا أو مثقلًا بالحاجة، وإنما بما يليق بتاريخه ومكانته: شريكًا كامل الحقوق والكرامة، وقادرًا على الإسهام في صناعة المستقبل.
إن مصلحة الرياض والجزيرة العربية لن تتحقق بيمن ضعيف، كما أن أمن الجوار لا يمكن أن يُبنى على إضعاف جار بحجم اليمن.
وإذا كانت المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله تجاه اليمن هو أن تساعده على استعادة دولته، لا أن تعيد إنتاج ضعفه؛ وأن تفتح أمامه أبواب الشراكة، لا أن تضع له شروط التبعية؛ وأن ترى في قوته ضمانةً لأمنها، لا مصدرًا للخوف منها.
فالتاريخ لا ينسى من أضعف جاره، كما لا ينسى من وقف إلى جانبه عندما احتاج إلى العون.

فاليمن لا يحتاج إلى من ينقذه بقدر ما يحتاج إلى من يكفّ عن إضعافه، ويمنحه الفرصة ليستعيد نفسه، ودولته، ومكانته، ودوره الطبيعي في محيطه.