الحلال في الطبق… والحرام في الجيب
في مفارقة تستحق أن تُدرَّس في كتب الفلسفة السياسية لا كتب الفقه فقط، تجد بعض المجتمعات الإسلامية شديدة التدقيق في سؤال: هل اللحم حلال؟ هل الشراب حلال؟ هل الطعام مذبوح وفق الشريعة؟
لكنها أحيانًا لا تسأل بالسؤال الأخطر: هل المال الذي دفعنا به ثمن هذا الطعام حلال؟
وفي الجهة الأخرى، تجد في كثير من بلاد الغرب من لا يهتم أصلًا بمفهوم «الحلال» في الطعام والشراب، ومع ذلك تجد أن المال العام يخضع للرقابة، والقانون يُطبَّق، والحقوق مصانة، والمؤسسات تعمل.
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء:
نحن نراقب السكين التي ذُبح بها الخروف، ولا نراقب اليد التي ذبحت بها الدولة!
قد يكون اللحم حلالًا، لكن ثمنه من رشوة.
وقد يكون الطعام حلالًا، لكن المال الذي اشتُري به من نهب المال العام.
وقد يكون الشراب حلالًا، بينما صاحبه بنى ثروته على استغلال الفقراء.
أما في الغرب، فقد تجد طعامًا وشرابًا لا ينسجمان مع مفهومنا الديني، لكن الدولة تقول للمواطن: ادفع الضريبة، احترم القانون، لا تسرق، ولا تستغل منصبك.
وهنا المفارقة التي توجع أكثر مما تضحك:
الحلال ليس مجرد ما يدخل الفم؛ الحلال أيضًا ما يدخل الجيب، وكيف دخل إليه، وكيف خرج منه.
المشكلة ليست أن الغرب أصبح أكثر إيمانًا منا، ولا أن مجتمعاتنا أصبحت بلا أخلاق؛ فهذه مقارنة تبسيطية وظالمة. المشكلة أن الأخلاق حين تتحول إلى طقوس فردية فقط، وتنفصل عن العدالة والنزاهة والمساءلة، تفقد جزءًا كبيرًا من معناها الاجتماعي.
فما قيمة أن تسأل عن مصدر اللحم، ولا تسأل عن مصدر المليارات؟
وما قيمة أن تتحرى الحلال في مطعمك، بينما تتسامح مع الحرام في إدارة الدولة؟
الدين لا يُقاس فقط بما نضعه في أفواهنا، بل أيضًا بما نضعه في ذممنا.
وفي النهاية، قد يأكل إنسان «حرامًا» لكنه يخاف القانون، بينما يأكل آخر «حلالًا» ويخاف الله… إذا كان لا يزال يخافه.
وهذه ليست دعوة لأكل الحرام، بل دعوة إلى سؤال أكبر:
متى يصبح المال الحلال، والقانون العادل، والأمان، وحفظ حقوق الناس… جزءًا من مفهومنا الحقيقي للحلال؟
لأن أخطر حرام ليس ما يدخل المعدة،
بل ما يدخل الخزينة بالسرقة… ثم يخرج منها بفتوى أو واسطة أو حصانة.



