الدكتور علي المضواحي… ثلاثون عامًا في خدمة الصحة

ليست قضية الدكتور علي المضواحي، في تقديري، قضية طبيب يواجه اتهامات مرتبطة باللقاحات فحسب، ولا ينبغي اختزالها في ملف أمني أو خلاف سياسي. إنها قضية إنسان يمني أمضى جزءا كبيرا من حياته في خدمة الصحة العامة والتثقيف الصحي، وقضية تتصل في جوهرها بحق المواطن في التفكير والاختلاف والتعبير، وبحقه في أن يحاسب وفق القانون، لا وفق الاتهام أو الانتماء السياسي.
وأنا أتحدث عن الدكتور علي المضواحي، فإنني لا أتحدث عن شخص عرفته من خلال الأخبار فقط، بل عن رجل عرفته عن قرب منذ سنوات طويلة، وخصوصا عندما ترأس النادي الأدبي في عامي 1997 و1998. كان في تلك المرحلة نموذجا للرئيس البسيط والقريب من الناس، صاحب حضور ثقافي واجتماعي، ولم يكن يتعامل مع موقعه باعتباره سلطة، بل باعتباره مسؤولية.
ومن يعرف تاريخ المضواحي في المجال الصحي يدرك أن قصته لم تبدأ مع قضية اللقاحات الحالية، وإنما تمتد إلى عقود من العمل في الصحة العامة.
وتشير مواد صحفية ووثائق منشورة إلى أنه شغل مواقع متعددة في وزارة الصحة العامة والسكان، من بينها مدير عام صحة الأسرة، كما ارتبط عمله بالتثقيف والتوعية الصحية، وبرامج التحصين، والترصد الوبائي والتغذية والصحة العامة. كما تشير مصادر منشورة إلى تعاون مهني له مع منظمة الصحة العالمية وجهات دولية أخرى.
ولعل من أهم ما يكشف طبيعة عمل الرجل ما نشرته صحيفة 14 أكتوبر قبل أكثر من خمسة عشر عاما، عندما ظهر الدكتور المضواحي بصفته مدير عاما لصحة الأسرة في وزارة الصحة، متحدثا عن حملات التحصين ضد الحصبة وشلل الأطفال، وعن أهمية حماية الأطفال من الأمراض التي يمكن الوقاية منها.
وهذه نقطة مهمة جدا في فهم القضية الحالية.
فالرجل الذي يثار حوله اليوم جدل بسبب موقفه من اللقاحات، هو نفسه الذي يظهر اسمه في مواد صحفية قديمة مرتبطة ببرامج التحصين والتوعية الصحية، في وقت كانت فيه الدولة اليمنية والمؤسسات الصحية تعمل على مواجهة أمراض الطفولة وحماية الأطفال من الأوبئة.
وفي إحدى المواد المنشورة عام 2010، تحدث المضواحي عن تعزيز التحصين الروتيني للأطفال، وعن المخاطر التي خلفتها الحرب والنزوح وانتشار الحصبة في بعض المناطق.
كما تظهر مادة صحفية أخرى له وهو يتحدث عن أهمية التحصين الروتيني، وعن آليات توفير اللقاحات ونقلها وفق إجراءات سلسلة التبريد والمعايير المعتمدة.
وهذه الوثائق القديمة لا تحسم وحدها كل تفاصيل القضية الحالية، لكنها تقدم معلومة مهمة: أن علاقة الدكتور علي المضواحي بالصحة العامة وبرامج التحصين ليست علاقة طارئة أو مستجدة، وإنما جزء من مسيرة مهنية طويلة.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال: ماذا حدث لهذه المسيرة حتى أصبح الطبيب نفسه اليوم طرفا في قضية مرتبطة باللقاحات؟
بحسب تقارير صحفية حديثة، احتجز المضواحي لأكثر من عامين، ثم أحيل إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء في أغسطس 2026، وسط اتهامات مرتبطة بعمله ومواقفه من برامج تحصين الأطفال، بينما تقول أسرته إنه تعرض للتعذيب والسجن الانفرادي، وهي ادعاءات ينبغي أن تخضع للتحقيق المستقل والشفاف.
ومن الخطأ أن نحسم مسبقا أي رواية دون أدلة، لكن من الخطأ أيضا أن نتعامل مع قضية بهذا الحجم وكأنها شأن عادي.
فالطبيب ليس موظفا أمنيا، والاختلاف حول اللقاحات لا ينبغي أن يتحول تلقائيا إلى قضية مخابرات.
إذا كانت هناك تهمة جنائية، فمن حق المجتمع أن يعرف ما هي التهمة تحديدا، وما الأدلة عليها، وما الأساس القانوني لها. وإذا كان الخلاف متعلقا بموقف طبي أو علمي، فالمكان الطبيعي للنقاش هو المؤسسات الطبية والعلمية، وليس غرف التحقيق.
اللقاحات يمكن أن تكون موضوعا للنقاش العلمي. يمكن للناس أن يسألوا عن مصدرها، وفعاليتها، وآثارها الجانبية، وطريقة استخدامها، ومنظومة الرقابة عليها. ويمكن للأطباء والباحثين أن يختلفوا في التفاصيل. لكن تحويل السؤال العلمي إلى تهمة سياسية يقتل العلم، كما أن تحويل الطبيب المختلف إلى عميل يغلق باب الحوار.
وليس من المنطقي أن ننظر إلى اللقاحات باعتبارها مؤامرة في ذاتها، بينما التاريخ الطبي الحديث يثبت أن حملات التطعيم كانت جزءا أساسيا من مكافحة أمراض خطيرة. وفي اليمن نفسه، كانت برامج التحصين جزءا من جهود الصحة العامة لعقود، وكان الدكتور المضواحي أحد الوجوه التي ظهرت في الإعلام الرسمي للحديث عنها.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يمكن تجاهله: إذا كانت اللقاحات التي يثار حولها الجدل اليوم مؤامرة أو خطرا على أطفال اليمن، كما يروج البعض، فماذا عن الأجيال التي نشأت عليها خلال العقود الماضية؟ وماذا عن أبناء قيادات جماعة الحوثيين وأنصارها، الذين عاشوا هم وأطفالهم في مجتمع كانت فيه برامج التحصين جزءا من منظومة الصحة العامة اليمنية منذ أكثر من ثلاثين عاما؟
فهل كانت اللقاحات مقبولة عندما كان أبناؤهم يتلقونها، ثم أصبحت اليوم مؤامرة عندما اختلفت المواقف السياسية؟
السؤال هنا ليس للتشفي ولا لتوجيه اتهام إلى أحد، وإنما للتذكير بأن اللقاحات ليست اختراعا ظهر اليوم، ولا قضية بدأت مع الدكتور علي المضواحي. اليمن عرف برامج التحصين منذ عقود، واستمرت حملات التطعيم في مختلف المراحل، وأسهمت في حماية ملايين الأطفال من أمراض خطيرة.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن برنامج التحصين الوطني الموسع في اليمن تأسس عام 1977، كما تشير اليونيسف إلى أن برامج التحصين في اليمن حققت خلال العقود الماضية مكاسب صحية واسعة.
والسؤال الأهم الذي يجب أن يطرح على الجميع، بعيدا عن الانتماءات السياسية: ماذا تغير في اللقاح نفسه حتى يتحول من وسيلة لحماية أطفال اليمن إلى موضوع للاتهام والتخوين؟ وإذا كان هناك اعتراض علمي حقيقي على لقاح معين، فلماذا لا يطرح هذا الاعتراض أمام الأطباء والباحثين والجهات العلمية المختصة، بدل أن يتحول إلى قضية أمنية وسياسية؟
إن من حق أي أب وأم أن يسألوا عن اللقاح، ومن حق الطبيب أن يناقش ويختلف ويطلب الدليل، لكن ليس من العدل أن يتحول هذا السؤال إلى تهمة، خصوصا عندما تكون أجيال كاملة من اليمنيين قد عاشت مع برامج التحصين لعقود.
والأغرب أن الخلاف اليوم يأتي في وقت تشير فيه تقارير حديثة إلى أن نحو خمسة ملايين طفل في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين مهددون بالحرمان من اللقاحات الروتينية، بينما تؤكد وزارة الصحة أن التحصين حق صحي أساسي لكل طفل.
فإذا كانت اللقاحات خطرا، فليقدم الدليل العلمي.
وإذا كانت آمنة وضرورية، فلماذا يصبح الطبيب الذي يناقشها أو يختلف حول بعض جوانبها متهما؟
هذه الأسئلة يجب أن تناقش بعقل وهدوء، لأن صحة الأطفال لا ينبغي أن تكون ورقة في الصراع السياسي، ولا ينبغي أن يدفع الأطفال ثمن الخلاف بين الكبار.
الطب اليمني لا يختصر في المستشفيات
وهنا أصل إلى نقطة أراها أكثر أهمية من القضية نفسها: ماذا فعلنا نحن بالطب اليمني وأطبائه؟
اليمن لم يكن يوما بلدا خاليا من الكفاءات الطبية. فقد ظهر فيه أطباء وباحثون ومختصون عملوا في ظروف صعبة، وبعضهم حمل مسؤوليات تتجاوز عيادته ومستشفاه إلى بناء مؤسسات صحية، ومكافحة الأوبئة، وتدريب الكوادر، ونشر التوعية بين الناس.
الطبيب المتميز ليس بالضرورة هو الذي يعالج المريض داخل غرفة العمليات فقط. هناك طبيب آخر يعمل خلف الكواليس: يضع سياسة صحية، يراقب انتشار وباء، يخطط لحملة تحصين، يدرب العاملين الصحيين، يكتب مادة توعوية، أو يحاول إقناع أم يمنية في قرية نائية بأن تحمي طفلها من مرض يمكن الوقاية منه.
هذا النوع من الأطباء قد لا يعرفه الجمهور كما يعرف طبيب العيادة، لكنه ربما يكون قد أنقذ حياة آلاف الناس دون أن يعرفوا اسمه.
وهنا تأتي قيمة التثقيف الصحي.
فالمعلومة الطبية الصحيحة قد تنقذ طفلا قبل أن يصل إلى المستشفى. وقد تمنع أما من استخدام علاج خاطئ. وقد تدفع أسرة إلى طلب الرعاية في الوقت المناسب. وقد تساعد مجتمعا كاملا على فهم وباء أو طريقة الوقاية منه.
والدكتور علي المضواحي، بحسب مسيرته المنشورة، كان جزءا من هذا النوع من العمل الصحي. فقد ارتبط اسمه بصحة الأسرة والطفل، والتثقيف الصحي، والتحصين، ومكافحة الأوبئة، وهي مجالات تمثل العمود الفقري للصحة العامة.
وفي عام 2022، نشر عنه بصفته مستشارا لوزير الصحة، وهو يتحدث عن أهمية تفعيل دور المركز الوطني للتثقيف والإعلام الصحي، معتبرا التثقيف الصحي خط الدفاع الأول وأحد أهم عناصر الرعاية الصحية الأولية.
هذه الصورة المهنية يجب ألا تختفي بسبب قضية واحدة.
حين يصبح الطبيب المختلف متهما
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الخلاف إلى تخوين.
ليس مطلوبا من أحد أن يتفق مع الدكتور المضواحي في كل آرائه. وليس مطلوبا أن تكون له حصانة من النقد. لكن المطلوب أن نميز بين الرأي والجريمة، وبين الخطأ الطبي والخيانة، وبين الاختلاف والعمالة.
إذا أخطأ الطبيب، فليحاسب.
وإذا خالف القانون، فليكن القضاء هو الفيصل.
أما إذا كان الخلاف في الرأي أو في التقدير العلمي، فالمواجهة تكون بالحجة والدراسة والبحث.
هذه ليست مسألة تخص الدكتور المضواحي وحده، وإنما تخص مستقبل اليمن كله.
فالدول لا تبني مؤسساتها بإسكات الأطباء والمثقفين، ولا تتقدم بتخويف أصحاب الخبرة. بل تحتاج إلى بيئة يستطيع فيها الطبيب أن يقول ما يعتقد أنه صحيح، ويستطيع الباحث أن ينتقد، ويستطيع المواطن أن يسأل، وتستطيع المؤسسات أن تراجع أخطاءها.
إن قضية الدكتور علي المضواحي يجب أن تكون فرصة لإعادة التفكير في الطريقة التي نتعامل بها مع الكفاءات اليمنية.
فبدل أن نخسر الطبيب والمثقف والخبير في السجون أو الهجرة أو الصمت، علينا أن نسأل: كيف نحافظ على ما تبقى من خبراتنا؟ وكيف نعيد الاعتبار للطب الوقائي والصحة العامة؟ وكيف نجعل الطبيب شريكا في صناعة القرار بدل أن يكون مجرد منفذ؟
لقد دفع اليمن ثمنا باهظا من انهيار المؤسسات الصحية، وانتشار الأوبئة، وهجرة الكفاءات. ولذلك فإن خسارة طبيب لديه خبرة عقود ليست خسارة شخصية لعائلته وحدها؛ إنها خسارة للمنظومة الصحية والمجتمع.
المضواحي ليس مجرد اسم في قضية
لهذا كله، أرى أن قضية الدكتور علي المضواحي يجب أن تقرأ في سياق حياته كاملة.
رجل بدأ حياته في المجتمع والثقافة، وعرفناه في النادي الأدبي، ثم أمضى سنوات طويلة في الصحة العامة والتثقيف الصحي، وظهر اسمه في ملفات التحصين وصحة الأسرة ومكافحة الأوبئة، وتعاون مع مؤسسات صحية محلية ودولية، ثم وجد نفسه اليوم خلف القضبان وفي مواجهة قضية تتصل، بحسب التقارير المنشورة، بعمله ومواقفه المهنية.
هذه المفارقة وحدها تستحق التوقف.
والإنصاف هنا لا يعني تبرئة مسبقة ولا إدانة مسبقة.
الإنصاف يعني أن نطالب بالحقيقة.
أن نطالب بمحاكمة عادلة إن كانت هناك محاكمة.
أن نطالب بإعلان التهم والأدلة.
أن نرفض التعذيب والاعترافات القسرية إن ثبت وقوعها.
وأن نرفض في الوقت نفسه أن تتحول قضية اللقاحات إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.
إن الطب في اليمن يحتاج إلى أن نستعيد ثقته، وأطباؤه يحتاجون إلى أن يشعروا بأن الدولة والمجتمع يحميانهم عندما يعملون من أجل الناس.
وفي بلد أنهكته الحرب، لا نحتاج إلى إسكات الأطباء، بل إلى الاستماع إليهم.
لا نحتاج إلى تخوين أصحاب الخبرة، بل إلى الاستفادة منهم.
ولا نحتاج إلى تحويل الطبيب إلى خصم سياسي، بل إلى إعادته إلى مكانه الطبيعي: إنسانا يحمل رسالة، ومهنيا يخدم مجتمعه، ومواطنا له حقوق وعليه واجبات.
وفي النهاية، فإن قضية الدكتور علي المضواحي ليست قضية اللقاحات وحدها، وليست قضية طبيب واحد.
إنها قضية تتعلق بصورة اليمن التي نريدها.
يمن يحترم الطبيب.
يمن يحترم العلم.
يمن يحترم الاختلاف.
يمن يحاكم الناس بالأدلة والقانون، لا بالشائعات والتخوين.
ويمن يعرف أن الطبيب الذي قضى ثلاثين عاما في خدمة الصحة العامة لا ينبغي أن يختزل في تهمة، كما لا ينبغي أن تختزل مسيرة بلد كامل في صراع سياسي.
إذا كان الدكتور علي المضواحي قد أخطأ، فليقل لنا القانون أين أخطأ. وإذا كان قد ارتكب جريمة، فلتقدم الأدلة. أما إذا كانت جريمته أنه تمسك بموقف مهني أو اختلف في قضية صحية، فإن ذلك ليس جريمة، بل جزء من حق الإنسان في التفكير والتعبير.
لقد آن الأوان أن ننظر إلى أطبائنا لا باعتبارهم أدوات في الصراع، بل باعتبارهم ثروة وطنية.
وأن نتذكر أن بعض الأطباء لا ينقذون حياة مريض واحد فقط؛ بل يعملون لسنوات من أجل حماية مجتمع كامل.
ومن هؤلاء، في تقديري، الدكتور علي المضواحي.
والقضية اليوم ليست فقط: متى يخرج الدكتور علي المضواحي من السجن؟
بل السؤال الأعمق:
متى نعيد للطب اليمني مكانته، وللعلم احترامه، وللطبيب اليمني حقه في أن يعمل ويختلف ويتحدث دون خوف؟
هذا هو السؤال الذي يجب ألا تضيع معه قضية علي المضواحي.



