الخميس 27 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • مرثية العدالة.. في ذكرى ذبح الطبيب وصبر القائد الصامد..!

مرثية العدالة.. في ذكرى ذبح الطبيب وصبر القائد الصامد..!

مرثية العدالة.. في ذكرى ذبح الطبيب وصبر القائد الصامد..!

في زوايا الحجرية حيث تُعاشر الجبالُ السحابَ ويبتسم الشجر لندى الصباح، ولدت حكايةٌ تخضبت بالدم والمأساة!
هناك، بين سفوح تعز الأبية، كان الشاب الدكتور أصيل عبدالحكيم الجبزي ينشر الدفء في قلوب من حوله.

كان أمله أن يضمد أوجاع الآخرين، وأن يزرع الابتسامة على وجوه أثقلتها سنوات الحرب والأسى.
لم يكن يحمل في يديه سوى أدوات الطب وكتب العلم وأحلام الغد المشرق.
كان يرسم آماله ببراءة الشباب وخُلق النبلاء.
لكن غيوم الظلام كانت تتجمع في الخفاء لتنسج ملحمة من الحزن الشديد!
•••
في تلك الليلة الظلماء من أغسطس عام 2020، توقفت نبضات الحياة في ذلك المنزل الوادع في بلدة الحار بمديرية المعافر.
اقتحمت يد الغدر الحرمات وشوهت البراءة.
انتزعت أصيل من حضن أمه ودعوات أبيه الصامد.
اقتيد الشاب الأبيض القلب إلى مصير مظلم لا يشبه إلا ظلام قلوب قاتليه.
تسع ساعات كاملة من الألم والوجع الخفي والتعذيب القاسي كانت كفيلة بأن تجعل الأرض تبكي دمًا، والسماء تتوشح بالسواد.
أين كانت الإنسانية في تلك اللحظات؟
كيف استطاعت القلوب أن تتجرد من كل معنى للرحمة والشهامة؟
أي ذنب اقترفته يد هذا الطبيب الشاب ليكون ثمن نضال، وصمود والده وجعًا لا ينتهي؟
أشرقت شمس اليوم التالي، لكنها لم تشرق بالضوء بل أشرقت بالفجيعة الكبرى.
عُثر على جثمان أصيل مرميًا في سائلة الجبزية، مغبرًا بثرى الأرض التي أحبها ورعاها.
لم يكن مجرد قتيل، بل كانت جثته الشاهدة تحمل آثار وحشية تمثلت فيها أعتى صور الحقد والضغينة.
ذُبح بالرصاص وتمُثّل بجثته، وسالت الدماء الزكية على صخور الحجرية لتسجل جرحًا لن يندمل.
غادرت روحه الطاهرة إلى بارئها تشكو ظلم العباد وقسوة العصابات.
رحل أصيل تاركًا خلفه ثوبًا أبيض لطخته دماء الغدر، وابتسامة غابت عن شفاه أهله ومحبيه إلى الأبد.
أي قسوة هذه التي تجعل من جسد طبيب ميدانًا للتمثيل وانتقام السياسات الضيقة؟
وكيف لدم زكي أن يراق بدم بارد دون أن تهتز لأجله الأرض!
•••
لكن الحكاية لم تنتهِ عند حدود السائلة المغبرة بدم أصيل.
ففي القصة طرف آخر يحمل بين جنبيه جبالًا من الصبر والتجلد والكبرياء.
إنه الأب، القائد والمناضل الوطني، العميد عبدالحكيم الجبزي.
رجل صلب كجبال صبر والحجرية، خاض المعارك شريفًا وشجاعًا في سبيل الوطن والمؤسسة العسكرية.
خاض الميادين مرتديًا كبرياءه ونزاهته منذ كان في باب المندب ومواقع ذوباب وصولًا إلى معارك تحرير الضباب والمسراخ والصلو وراسن وبني عمر، والكدحة ووووو مدافعًا عن الأرض والعرض تحت مظلة اللواء 35 مدرع.
لكن الخنجر لم يأتِه من جبهات القتال المفتوحة، بل جاءه من الخلف، صدمةً في أغلى ما يملك.
كيف لقلب أب أن يحتمل نبأ مقتل نجله بهذه البشاعة والمأساوية؟
كيف لليد التي مسكت السلاح حمايةً للناس وللشرعية أن تقف مكبلة أمام دم ابنها النازف؟
•••
يقف العميد عبدالحكيم الجبزي اليوم، بعد مرور ستة أعوام، شامخًا شموخ الرواسي.
لم يتنازل، ولم يساوم، ولم يطلب ثأرًا بدائيًا يضيع فيه الحق، بل استدعى العدالة والقانون واحتكم إلى المؤسسات.
يحمل وجعه الصامت بين صدره، ويسير في طرقات الحياة جريحًا لكنه لم ينكسر ولن يركع.
•••
أيريدون منه أن ينسى دمًا صادرته السكاكين ورصاص الغدر؟
هل يمكن للرتب والنياشين والأختام الرسمية أن تمحو آثار دماء أصيل؟
أتظن المظالم أنها قد تنام فوق أجساد البائسين والشهداء؟
إن الأب المنتظر لا يطلب سوى الحق، سوى ميزان العدالة الذي اختُطف لكنه سيعود حتمًا بدعوات المظلومين وصمود الأحرار.
تلك الأسلحة التي أُعدم بها الشهيد الدكتور أصيل الجبزي مازالت جراحها حية تشخص في القلوب والوجدان.
كل طلقة نارية وكل خدش على جسده كان محاولة خائبة لكسر إرادة قائد وموقف أمة وكرامة مجتمع.
لكن الروح لا تموت، بل تبقى حية تجول في أفئدة كل الأحرار في هذا الوطن الجريح.
إن القتلة يتوهمون أن غبار الأيام وتراكم السنوات كفيل بإنهاء القضية وطمر الحقيقة تحت ركام النسيان.
•••
يتوهمون أن الحماية أو التستر أو القرارات الكيدية قد تغسل أيديهم الملطخة بالدماء.
لكن التاريخ لا ينسى، والدم لا يصير ماءً أبدًا!
هل يستطيع الظالم أن يهرب من ظل ذنبه عندما يخلو بنفسه في ظلمات الليل؟
وكيف ينام من تلطخت يداه بدم طبيب مدني لم يؤذِ أحدًا في حياته؟
"لا تصالح"، كما قال الشاعر، وكما تهمس بها جبال تعز في كل غروب وشروق.
لا تصالح ولو منحوك الذهب.
لا تصالح على دم أخيك، على دم ابنك، على حق وطنك في العدالة وسيادة القانون.
إن القضاء والفصل في هذه الجريمة هو امتحان حقيقي لضمير الأمة ومؤسسات الدولة والعدالة الإنسانية.
•••
إن سياق الجريمة الممنهج والتستر على مرتكبيها والامتناع عن تنفيذ أوامر القبض القهري الصادرة من النيابات المتخصصة يضع كل ذي ضمير حي أمام مسؤولياته الأخلاقية والوطنية.
فالعنصر الذي ذبح، واليد التي خططت وحشدت، والجهة التي سترت ووفرت الملاذ، كلهم شُركاء في خطيئة واحدة لا تسقط بالتقادم.
من كل شقيق وأب في أرض الحجرية، يرتفع صوت النداء الخالد عبر الزمان.
•••
يا أصيل.. تمر الأيام والسنوات وما زال صوتك وضحكتك وتفاصيل وجعك الأخيرة تحفر في القلوب كأنها حدثت البارحة.
لم تكن مجرد هدف عابر في طريق القتلة، بل كنت الوجع الذي أرادوا أن يكسروا به والدك القائد الصلب العميد عبدالحكيم الجبزي والشرف العسكري.
لكنهم واهمون؛ فالرتب لا تمنح الشرف للقتلة، والأختام الرسمية لا تطهر العصابات ولا تغسل آثار الجرم.
•••
يا أصيل، إن عنقك الذي صادرته الرصاص كان يجب أن يُطوق بالياسمين وورود التخرج والنجاح المكتمل.
كان ينبغي أن تكون اليوم في مشفاك تداوي جراح الناس وتزرع الأمل في قلوب المرضى والمنكوبين.
لكنك أصبحت اليوم جرحًا حيًا في قلب الوطن، ونشيدًا صامدًا للعدالة المستحقة التي لا تموت.
نم بسلام يا ابن الحجرية...
يا زهرة تعز التي قُطفت قبل أوانها بأيدي من تجردت قلوبهم من أدنى درجات الإنسانية، وتوشحت عقولهم بوحشية حيوانات الغاب.
نم ملء جفنيك مادام لك أب يقارع ببسالة في معركتين.
معركة القانون والصبر لإحقاق العدالة، ومعه كل يمني حر شريف يرفض الظلم والطغيان.
ومعركة استعادة الجمهورية والدولة وعاصمتها المصادرة.
•••
ستظل الأيام تكر، وستدور الدوائر على كل من وغل في الدماء وتجبر وظن أن سلطته تحميه من القصاص.
قد يطول الانتظار، وقد تعتم الطرقات، وتتأخر الأحكام في أروقة العدالة المختطفة تحت وطأة الصراع.
لكن فجر الحق قادم لا محالة، وصوت الحقيقة أصلب من زيف الباطل.
سينتصر القانون ولو بعد حين!
وستظل ذكرى أصيل الجبزي ناصعة نقية، تشهد على مظلومية الأبرياء وعلى صبر ونضال الآباء الشرفاء الذين لم يبيعوا دماء أبنائهم بأي ثمن.
رحم الله الشهيد الدكتور أصيل، وألهم والده الصابر العميد عبدالحكيم الجبزي وكل أسرته القوة والثبات حتى تشع شمس العدالة وينال القتلة جزاءهم العادل.