خالد وعلي الرماح.. بعضٌ من مآسي الإخفاء القسري
أكثر من عقد من الزمن، (يونيو 2015)، وما يزال العزيزان الشقيقان خالد وعلي محمد الرماح مخفيَّين، ولا أحد يعرف عنهما شيئاً، ولا حتى أبسط المعلومات عن الجهة المشتبه بها التي ارتكبت هذه الجريمة حتى الآن... وهنا، على الجهات الرسمية أن تولي ملف المعتقلين والمخفيين قسراً اهتماماً كبيراً؛ لأنه يقوم على عاتقها وضع نهاية لكل هذه الملفات.

خالد وعلي الرماح غادرا منزلهما في مديرية البريقة، وكانا ذاهبين إلى مديرية المنصورة بعدن، في ذروة اشتداد الحرب. في الطريق تعرض الشقيقان لعملية الاختطاف، ومن ثم الإخفاء، من طرف مجهول حتى الآن. وحين طال غيابهما في ذلك اليوم، بدأت أمهما العزيزة، ابنة العم إيمان، وزوجها محمد الرماح، بالتواصل معهما، إلا أن التواصل انقطع تماماً. دبَّ الرعب والخوف في أوساط الأسرة، وبدأ البحث عنهما. والدتهما المكلومة بحثت عنهما لدى كل الأطراف المتحاربة، لكن الجميع كان ينفي صلته بالجريمة، وكلهم أخبروها أن لا مصلحة لهم من اعتقال وإخفاء شابين لا علاقة لهما بما كان يجري.. وأسأل الله أن يصبرها ويصبر أهالي المخفيين قسراً، وأن يفرحهم بعودة ذويهم سالمين غانمين، في أقرب وقت إن شاء الله.
أكثر من عشرة أعوام من الإخفاء؛ مات والدهما كمداً، وظلت أمهما، وما زالت، تعاني ألم الفقد والقهر وصعوبة الفراق، إذ ليس لديها غيرهما، إلا بنتاً كبرت وتزوجت، وأصبحت الأم وحيدة إلا من طفلة هي بنت ابنها خالد، الذي لم يرها؛ لأنه اعتُقل وأُخفي، وكانت ما تزال في بطن أمها... هذه الجريمة، كما غيرها من جرائم الإخفاء التي حدثت في الماضي أثناء الصراع بين الشمال والجنوب قبل الوحدة، وحتى أثناء ومع بداية حرب 2015، إذ لا يزال العشرات مخفيين قسراً إلى اليوم، ولم يتم الكشف عن مصيرهم، رغم مطالبات الأهالي بالكشف عن مصير ذويهم، حتى وإن كانوا في عداد الموتى. المهم أن يتم إراحتهم من عذاب الفقد، وأن لا يجعلوهم يتشبثون بالأمل، لعلهم ما زالوا أحياء، وسيأتي لا محالة يوم الحساب، إن في الدنيا أو في الآخرة.
أريد الحديث أيضاً عن اللبس الحاصل بين الاختفاء القسري والإخفاء القسري.. فالأمم المتحدة والمنظمات الدولية، في كل أدبياتها، تتعاطى مع مصطلح (الاختفاء القسري) بدلاً من (الإخفاء القسري)، وربما حدث خطأ عند ترجمة المصطلحات والضمائم حينها إلى العربية، وبالتالي تسلل مصطلح (الاختفاء القسري) إلى الوثائق والأدبيات الأممية والدولية، وأصبح هو السائد والمتداول، ومن ثم دأبت المنظمات على التعامل مع مصطلح الاختفاء القسري بدلاً من الإخفاء القسري. والفرق بينهما أن الاختفاء قد يكون بفعل فاعل، وهي هنا (السلطة الرسمية، أو أحد المنتمين أو التابعين لها، أو أحد المتعاونين معها وبمعرفتها)، وقد يكون الاختفاء بأن يقرر شخص ما أن يختفي عن الأنظار لمدة زمنية يقررها الشخص نفسه، ثم يظهر مرة أخرى، وقد تكون لظروف خاصة أو لحالة مرضية أو أي شيء آخر. المهم أن الاختفاء هنا قد يكون قراراً شخصياً يتخذه الشخص طوعاً من نفسه، وقد يكون بفعل فاعل، لكن لفظ الإخفاء هو جريمة حصراً تقوم بها الجهات الرسمية أو المتعاونون معها، لأسباب تراها هذه الجهات اعتيادية من وجهة نظرها، بينما هي جريمة إنسانية وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان يستلزم العقوبة، ولا يشفع لفاعل جرم الإخفاء الاعتذار، حتى ولو تم الكشف عن مصير من تم إخفاؤهم وإعادتهم إلى أسرهم؛ لأنها جريمة لا تسقط بالتقادم، ولا يُعفى مرتكبها من المساءلة والعقاب. لذلك، فالمصطلح الذي يفترض أن يكون متداولاً هو الإخفاء القسري بدلاً عن الاختفاء القسري، كي نضبط المصطلحات بالشكل الصحيح.
قبل حوالي عقدين من الزمن، فتحت صحيفة النداء، والعزيز سامي غالب رئيس التحرير، ملف المخفيين قسراً في اليمن، من نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، وهو عمل صحفي استقصائي رائع يُحسب للنداء، وللعزيز سامي غالب، ولمن عمل على هذا الملف.
تشكلت، على أثر فتح ملف المخفيين قسراً في صحيفة النداء، رابطة سميت برابطة المخفيين قسراً، على ما أتذكر. كان من بين من عمل على تأسيس هذه الرابطة القاضية العزيزة هالة القرشي (ابنة المخفي قسراً سلطان أمين القرشي)، والعزيزة يسرى البكري (ابنة المخفي قسراً محمد عبدالله البكري)، والعزيزة سلوى زهرة (ابنة المخفي قسراً علي قناف زهرة)، وغيرهن/هم من أبناء المخفيين قسراً. كما أن كثيراً من الجدران في الشوارع الرئيسة بصنعاء تزينت بصور المخفيين قسراً (القرشي، زهرة، البكري، عبدالعزيز عون وغيرهم)، وكان المبدع مراد سبيع هو صاحب الريشة الأجمل، الذي ذكرنا بالمخفيين، ولا زالت، على ما أعتقد، صورهم موجودة إلى اليوم.
لا أدري إلى أين آل مصير الرابطة، وهل ما زالت تعمل، أو أن الحرب شردت القائمين على الرابطة وأعضاءها، كما شردت الكثير من فئات المجتمع.
إن جريمة الإخفاء القسري هي من الجرائم المركبة، فهي اعتقال واختطاف وإخفاء وتعذيب وربما قتل، وغير ذلك من الجرائم.. ولا أدري، هل ثمة من يقوم بمثل هذه الجرائم يهنأ في نومه؟ وهل تناسى أن ثمة يوماً للحساب لا محالة... تذكروا المجرم السوري أمجد يوسف، كيف كان يتلذذ بتعذيب الناس وقتلهم، وإلى أين صار مصيره اليوم، بعد أن اعتقلته السلطات السورية وبات ينتظر مصيره المحتوم؟ فهل من متعظ، وهل من مُذكَّر؟
