الأربعاء 6 مايو 2026

سننجو.. سيرة قلق جميل اسمه فتحي

في منتصف التسعينيات بدأت معرفتي بفتحي أبو النصر. في حديقة الشعب بالحديدة، الحديقة التي كانت تبدو لنا أكبر من مجرد مساحة خضراء، وأقرب إلى جمهورية صغيرة للشعراء الهاربين من ضجيج العالم. كنا مجموعة من الشباب تجمعنا القصيدة كما تجمع النار فراشاتها الصغيرة. فتحي، عزت مصطفى، أكرم عبدالفتاح، وأنا. نقرأ الشعر كما لو أننا نبحث عن مخرج سري من العالم، نتبادل الكتب والمجلات الثقافية، ونمضي ساعات في الحديث عن الأدب، عن القصائد التي نحبها، وعن الحياة التي كنا نريدها أكثر اتساعاً وأقل خشونة.

الكاتب وصديقه فتحي أبو النصر
كان فتحي مختلفاً بطريقته الخاصة. يحمل داخله قلقاً نبيلاً، روحه مشدودة دائماً إلى جهة أبعد من المكان. يتحدث بحماسة، يضحك بعفوية، ثم يغرق فجأة في صمت يشبه شرود البحارة. كان واضحاً أن الشعر بالنسبة له لم يكن هواية، كان طريقة في العيش، أو شكل آخر من أشكال التنفس. كانت لديه تلك القدرة النادرة على أن يقول ما يفكر فيه دون أن يضع بينه وبين الفكرة ستارة حريرية. كأن اللغة عنده لا تعرف الالتفاف، تمضي مباشرة نحو جوهرها، تاركة خلفها كل الزوائد.
في عام 1997 كتبنا بياناً مشتركاً سميناه "بيان الاستحمار". كان نصاً ناقداً وساخراً يعبّر عن مزاجنا المشاكس في تلك المرحلة، ونشره الأستاذ عبدالفتاح الحكيمي في مجلة معين. كان البيان تمريناً مبكراً على المشاكسة الفكرية، جاءت مقدمة البيان هكذا: "في معادلة أطرافها الإنسان، الحمار، والشيطان، يكون الحمار هو الأنقى لأنه القادر على رؤية الشيطان والنهيق في وجهه..".
فتحي كان أكثرنا استعداداً للذهاب بعيداً في الخصومة مع السائد، كأن لديه حساسية مفرطة تجاه الزيف، وقدرة غريزية على التقاط التشققات في الجدار الثقافي.
بعد فترة، انتقل عزت مصطفى إلى صنعاء ليستقر ويعمل هناك، ثم انتقلت أنا وفتحي إلى تعز. كانت تعز محطة كثيفة في حياتنا، مدينة تعلّمنا فيها كيف يمكن للثقافة أن تكون خبزاً يومياً، وكيف يمكن للفقر أن يجاور الحلم في الغرفة نفسها. عملنا معاً في صحيفة الثقافية، وأعددنا ملفات ثقافية حملت كثيراً من شغفنا وقلقنا، ثم انتقلنا لاحقاً إلى صنعاء، حيث عملنا محررين ثقافيين في صحف عدة، منها الوحدوي والثوري ورأي.
عشنا معاً سنوات من التسكع الجميل والخشن في آن واحد. جعنا، تشردنا، ضحكنا، رقصنا، بكينا. كانت الحياة تمر علينا مثل عربة متهالكة فوق طريق وعر.
كان فتحي يردد دائماً عبارته الشهيرة: سننجو.. كان يقولها كما لو أنه يخاطب نفسه قبل أن يخاطبنا، وكأن النجاة بالنسبة له ليست وعداً بقدر ما هي عناد شخصي في وجه العالم. كانت العبارة تشبهه تماماً. لا تحمل تفاؤلاً سهلاً، تحمل إصراراً عنيداً، كأنها قادمة من شخص يعرف حجم الخراب، ومع ذلك يقرر أن يواصل السير.
عدت أنا لاحقاً إلى الحديدة لأستقر فيها، بينما واصل فتحي رحلته في صنعاء، يكتب، يغني، ويوزع شتائمه بكرم يليق بشاعر يرى الأشياء بوضوح فادح. في عام 2011 كان من أوائل الذين خرجوا مطالبين بحياة كريمة وفرص متكافئة. دخل الثورة بروح الشاعر الذي يرفض القبح. كان يرى في الثورة امتداداً طبيعياً لقصيدته، لأن القصيدة عنده شكل من أشكال الاحتجاج، ولأن الحرية عنده ليست مفهوماً نظرياً ولكنها حاجة شخصية تشبه حاجته إلى التنفس. تصارع مع الذين حاولوا حرف الثورة عن مسارها، ووقف في وجه من أرادوا تحويل الحلم الجمعي إلى غنيمة خاصة.
فتحي ينتمي إلى ذلك النوع النادر من المثقفين الذين يربطون الكتابة بالحياة مباشرة. النص عنده نافذة يطل منها على المجتمع بكل تناقضاته. عُرف بمواقفه الواضحة تجاه حقوق الإنسان وحرية التعبير، وبقراءته النقدية للتراث. يرى أن الموروث الثقافي ينبغي أن يُستعاد من زواياه المضيئة والتقدمية، بعيداً عن الاستخدام السياسي للدين الذي يعتبره أحد أعطاب العقل العربي الحديث.
ثم جاءت الحرب وبدأ كل شيء يتداعى. في 2015 غادر فتحي إلى مصر، محمولاً على أكتاف الضرورة. هناك، دخل في مواجهة جديدة مع الحياة، أكثر قسوة وأقل شاعرية. شاعر وصحفي كبير بلا راتب ثابت، بلا مصدر دخل يضمن له الحد الأدنى من الطمأنينة. وجد نفسه يصارع تفاصيل يومية تستنزف الروح، من إيجار الشقة إلى مصاريف الحياة.
أسماء بلا أثر حقيقي تتوزع عليها المناصب والرواتب الكبيرة. بينما يقف هو خارج الحسابات كلها. هذا المشهد كان كفيلاً بأن يفتح في داخله جروحاً إضافية. تعرض لأزمات نفسية موجعة. رأيناه يصرخ. رأيناه يبكي. رأيناه يغضب كمن يخاصم العالم بأسره. كان يطالب فقط بحقه الطبيعي في حياة تليق بما قدّمه، لكن صوته كان يرتطم بجدران صماء.
ميزة فتحي أو لعنته الجميلة، أنه لم يتعلم المهادنة. لم يكن من أولئك الذين يحولون أقلامهم إلى بطاقات عبور. ظل محتفظاً بخشونته الأخلاقية، بتلك الحدة التي تجعل صاحبه يدفع أثماناً باهظة، لكنها تمنحه في المقابل سلاماً داخلياً لا يُشترى.
فتحي أبو النصر واحد من أهم الأصوات الشعرية في اليمن. في تجربته الشعرية تبدو قصيدة النثر أكثر حيوية وتمرداً. أصدر عدة دواوين عكست تجربة ابداعية متميزة: نسيانات.. أقل قسوة، أعناق طويلة لظلي ورحيق دخان، موسيقى طعنتني من الخلف، والديوان العدني. في هذه الأعمال لغة حرة تعكس ارتباك الذات الحديثة، وصوراً تجمع بين الجمال والخراب في مشهد واحد. المدينة في نصوصه كائن عصبي يتنفس بصعوبة. الذاكرة تتحول في نصوصه إلى مادة خام للقصيدة، والحرب إلى ظل ثقيل يرافق الجملة.
يمتلك فتحي مسيرة صحفية حافلة. في كتاباته الصحفية يشتغل على النقد والتحليل، والنشاط الحقوقي، والذاكرة الوطنية. يكتب بروح أدبية تجعل المقالة أقرب إلى نص مفتوح، يزاوج بين الفكرة والصورة، بين التحليل والانفعال. يظل منحازاً لحقوق الإنسان وحرية التعبير. يرى أن التراث يستحق قراءة تستخرج ضوءه لا عتمته، وينظر إلى توظيف الدين سياسياً كواحد من أكبر الأعطاب التي أصابت العقل العربي. لهذا ظل صوته حاداً، واضحاً، عصياً على التدجين.
اليوم، بينما يتسلل المرض إلى جسده، تبدو الحكاية أكثر إيلاماً. شاعر أعطى حياته للكلمة، يجد نفسه في معركة جديدة مع الجسد. وهنا يصبح الحديث عن فتحي حديثاً عن قيمة المثقف نفسه في زمن يوزع اهتمامه بطريقة مختلة.
الى المجلس الرئاسي والحكومة الشرعية، يمثل فتحي أبو النصر اسماً يستحق التفاتة جادة ومسؤولة. هذا الرجل الذي أمضى حياته مدافعاً عن الكلمة الحرة، وكتب عن اليمن بصدق وشجاعة، يحتاج إلى موقع وظيفي يضمن له حياة كريمة ورعاية تليق بتاريخه الثقافي والإنساني. إنصاف فتحي يحمل معنى يتجاوز شخصه، ويعيد الاعتبار لفكرة أن الثقافة ليست رفاهية، وأن المبدع جزء أصيل من صورة الوطن.
بالنسبة لي يظل فتحي أكثر من صديق قديم. هو جزء من تلك السنوات التي تعلمنا فيها كيف يمكن للكلمات أن تكون خبزاً وملجأً ومقاومة. أتذكر ذلك الشاب الذي كان يجلس معنا في حديقة الشعب، يحمل كتاباً بيد، وقلقاً واسعاً باليد الأخرى.
تغيرت المدن، تكسرت الأحلام، اتسعت المسافات، وبقي فتحي كما هو مشاغباً جميلاً، شاعراً يعرف كيف يحول الخسارات إلى لغة، وكيف يجعل من التعب مادةً للقصيدة. وربما لهذا السبب بالذات، ما زلت أسمعه حتى الآن يردد عبارته الشهيرة بصوت يعرف الطريق جيداً: سننجو.....