الثلاثاء 5 مايو 2026
  • الرئيسية
  • حرية الصحافة وبناء السلام: حين تصبح الحقيقة مصلحة عامة

حرية الصحافة وبناء السلام: حين تصبح الحقيقة مصلحة عامة

في الثالث من مايو من كل عام، لا يحتفي العالم بحرية الصحافة بوصفها امتيازًا مهنيًا للصحفيين وحدهم، بل بوصفها حقًا عامًا للمجتمعات في أن تعرف، وتفهم، وتناقش، وتراجع مسارها بوعي.

فالمعلومة الموثوقة ليست ترفًا في زمن الأزمات، بل هي شرط من شروط السلام، وأداة من أدوات التعافي، وجسر ضروري بين المواطن ومؤسسات الدولة والمجتمع.
يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام في لحظة شديدة الحساسية. فبحسب ما تشير إليه الأمم المتحدة واليونسكو، شهدت حرية الصحافة خلال الأعوام الأخيرة تراجعًا حادًا، هو الأشد منذ عام 2012. ولم يعد الخطر مقتصرًا على إغلاق صحيفة، أو إسكات صوت، أو التضييق على صحفي، بل أصبح أكثر تعقيدًا مع اتساع التلاعب بالمعلومات، وانتشار الأخبار المضللة، واستخدام التقنيات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، في إنتاج الشائعات وتضخيم الكراهية وإرباك الرأي العام.
وفي بلد مثل اليمن، حيث أنهكت الحرب الناس، وتداخلت المعاناة الاقتصادية مع الانقسام الاجتماعي والسياسي، تصبح حرية الصحافة أكثر من مطلب حقوقي؛ تصبح حاجة إنسانية ووطنية. فالناس لا يحتاجون فقط إلى الأخبار، بل إلى أخبار صادقة تساعدهم على فهم واقعهم، وتحميهم من الاستغلال، وتفتح أمامهم طريقًا نحو الحوار بدل التحريض، ونحو المساءلة بدل الخوف، ونحو الثقة بدل الشك المتبادل.
إن الصحافة الحرة لا تعني الفوضى، ولا تعني الإساءة، ولا تعني تحويل المنابر إلى ساحات للانتقام أو التشهير. الحرية الحقيقية لا تنفصل عن المسؤولية. والكلمة، حين تتحرر من الخوف، ينبغي أيضًا أن تتحرر من الحقد، ومن التعصب، ومن الرغبة في تمزيق النسيج الاجتماعي. فالصحفي النزيه لا يبحث عن الإثارة وحدها، بل عن الحقيقة التي تخدم الناس، وتحفظ كرامتهم، وتدفع المجتمع إلى رؤية نفسه بصدق وشجاعة.
ومن أهم ما نحتاجه اليوم أن ننظر إلى الإعلام باعتباره مساحة مشتركة لبناء الثقة. فالمجتمعات لا تنهض بالصمت، لكنها لا تنهض أيضًا بالضجيج المضلل. تنهض حين تتوفر لها معلومات دقيقة، وحين يجد المواطن منبرًا يحترم عقله، وحين يشعر الصحفي أن أداء واجبه لا يعرّضه للتهديد أو الملاحقة أو التشويه. وحين تُحترم الصحافة المستقلة، تتسع فرص المساءلة، وتضعف ثقافة الإفلات من المسؤولية، ويصبح الحوار العام أكثر نضجًا.
لقد أشارت تقارير دولية حديثة إلى ارتفاع الرقابة الذاتية بين الصحفيين بنسبة كبيرة، نتيجة الخوف من الانتقام، والمضايقات الرقمية، والترهيب القضائي، والضغوط الاقتصادية. وهذا مؤشر خطير، لأن أخطر أنواع تقييد الصحافة ليس فقط ما يُفرض من الخارج، بل ما يستقر في داخل الصحفي من خوف دائم يجعله يحذف السؤال قبل أن يطرحه، ويتجنب الحقيقة قبل أن يقترب منها.
كما أن هشاشة المؤسسات الإعلامية اقتصاديًا تمثل تهديدًا لا يقل خطورة عن الرقابة المباشرة. فالصحافة التي لا تستطيع تمويل عملها باستقلال، قد تصبح عرضة للابتزاز، أو التبعية، أو الارتهان للممول الأقوى. ولذلك فإن الدفاع عن حرية الصحافة لا يكتمل إلا بدعم بيئة إعلامية مستقلة ومهنية، قادرة على البقاء، وعلى تدريب كوادرها، وعلى استخدام التكنولوجيا لخدمة الحقيقة لا لتزييفها.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي، تتضاعف المسؤولية. فالتكنولوجيا يمكن أن تكون أداة عظيمة لكشف الحقائق، وتحليل البيانات، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، لكنها قد تصبح أيضًا وسيلة لتزوير الصور، وفبركة الأصوات، ونشر حملات التضليل بسرعة غير مسبوقة. ومن هنا يصبح الوعي الإعلامي ضرورة لكل مواطن، لا للصحفيين فقط. فالقارئ الواعي شريك في حماية الحقيقة، كما أن الصحفي المهني شريك في حماية المجتمع.
إن حرية الصحافة، في جوهرها، تقوم على إيمان بسيط وعميق: أن الإنسان يستحق أن يعرف، وأن الحقيقة لا ينبغي أن تكون حكرًا على الأقوياء، وأن الحوار الصادق قادر على تخفيف العداوات وفتح أبواب التفاهم. وكلما اتسعت مساحة الكلمة المسؤولة، ضاقت مساحة العنف. وكلما شعر الناس أن أصواتهم مسموعة، قلت حاجتهم إلى الصراخ. وكلما توفرت المعلومة الموثوقة، ضعفت الشائعة، وتراجعت لغة التخوين، وازداد الأمل بإمكانية الإصلاح.
وفي يوم حرية الصحافة العالمي، لا يكفي أن نرفع الشعارات. المطلوب أن نحمي الصحفي من التهديد، وأن نحمي الجمهور من التضليل، وأن نحمي المهنة من الابتذال، وأن نحمي المجتمع من خطاب الكراهية. المطلوب أن ندرك أن الصحافة الحرة ليست خصمًا للدولة ولا للمجتمع، بل عين مفتوحة على الخلل، وضمير يقظ في وجه الفساد، وصوت للناس حين تضيق بهم السبل.
إن بناء السلام لا يبدأ فقط على طاولات التفاوض، بل يبدأ أيضًا من كلمة صادقة، ومن خبر موثوق، ومن سؤال شجاع، ومن منبر لا يبيع الحقيقة ولا يخاف منها. لذلك فإن الدفاع عن حرية الصحافة هو دفاع عن حقنا جميعًا في مستقبل أكثر عدلًا وكرامة وثقة.
وفي اليمن، حيث الحاجة إلى السلام لا تزال ملحة، تبقى الصحافة الحرة والمسؤولة أحد الطرق النبيلة لترميم ما تصدع، وجمع ما تفرق، وإعادة الاعتبار للحقيقة باعتبارها أساسًا لأي مصالحة حقيقية وتنمية مستدامة. فحين تتحرر الكلمة من الخوف، وتلتزم في الوقت نفسه بخدمة الإنسان، يصبح الإعلام قوة بناء لا معول هدم، ويصبح البحث عن الحقيقة خطوة أولى نحو وطن يتسع للجميع.