يوميات (3)
قبل أن يسلمني الليل إلى الأرق قربت مني فنجان قهوة.. قهوة يمنية تشبهنا.. بنها أسمر كوجوهنا المتعبة، ونارها من حطب صبرنا، لكنها كانت يتيمة من السكر..
قالت وهي تنكس رأسها كأنها اقترفت ذنبا: السكر غالي.. سامحني..

يا الله.. حتى الاعتذار في بلادي صار طقسا يوميا، وحتى الحلاوة صارت تهمة لا نقدر عليها.
تجرعتها دفعة واحدة.. وفي القاع، تربصت بي بقايا البن.. سواد متكتل كأنه خارطة وطن ممزق..
تأملتها بعينين تعرفان قراءة الفواجع قبل الفناجين، وهمست
: زمان.. أمي كانت تقرأ الفنجان.. تقول إن الذي يرقد في القاع هو نصيبك المكتوب، قدرك الذي لا مفر منه..
ابتسمت مرارة وقلت: طيب.. اقرئي.. ما هو نصيبي يا بنت الناس؟
أطالت النظر حتى كدت أغرق في صمتها.. ثم رفعت وجها كأنه خارج للتو من جنازة وقالت ببرود من ينعى حيا
: فنجانك كله طرق مسدودة.. هذه الكتلة السوداء الكبيرة على يسارك.. هذا ماضيك كله.. ثماني سنوات غربة، ودفنات لم تحضرها وكرامة انسكبت على أرصفة المطارات.. جاثم عليك ويخنقك.. أما في الوسط.. فهناك فتحة ضيقة جدا، كأنها ثقب إبرة صدئة.. هذه هي أملك الوحيد.. خيط واحد رفيع يمر منها.. لو انقطع الخيط.. متنا واقفين.
مددت إصبعي ولحست بقايا البن من قاع الفنجان.. كان أمر من رمل المنافي الذي أكلته وأمر من ضحكة ابن عمي وهو يطالبني بدين على باب بيت جدي.
لا تصدقي الفنجان..انه يكذب..انها مجرد خرافات لا اكثر!
يا لبؤس النوم..في نومي رأيتني ما زلت في المطار.. الضابط يبتسم ويأخذ جوازي، لكنه لا يختم على الصفحات.. يرفع الختم ويدقه على جبهتي مباشرة.. أحرقني الختم وقرأت حروفه تنز دما: عائد.. لا أمل له.. استيقظت أتحسس جبهتي.. كانت تكوي.
وعلى الوقع أيقظني نداء الفجر.. كان صوت المؤذن مبحوحا مكسورا كأن المئذنة نفسها أصيبت بالربو من كثرة ما ابتلعت من بارود وغبار.. أذان يخرج من رئة مثقوبة.
قلت: هذا هو اليوم الأول من سنتي الجديدة.. سنتي المضرجة بالخيبة من أولها.. بقي منها ثلاثمائة وأربعة وستون يوما.. يعني ثلاثمائة وأربع وستون خنجرا تنتظر دورها في ظهري.
كان هاتفي يحتضر على وسادتي، بطاريته ترف كعصفور مذبوح.. فجأة أومض: رسالة..
فتحتها بقلب يرتجف.. كانت من زميل معي في شركة المنفى.. كتب
: الفلوس في الطريق.. حقوقنا طلعت.. الأيام القادمة تصلك..
كلمة الأيام القادمة هذه.. صارت لنا مثل المخدر.. نتعاطاها منذ ستة أشهر كي لا نموت الآن.. لكنها أيقظت في شيئا يشبه الأمل، أو جثته.
التفت إليها وقلت بقرار يابس
: خلاص.. سنغادر إلى المدينة.. هذه القرية صارت قبرا واسعا، ونحن أحياء فيه بالغلط..
ردت بجفاف: بدون حقوقك الوهمية اللي مصدع راسي فيها؟
قلت: تعرفين أنها مليون ريال فقط، وليست ثلاثين ألف دولار مثل ما يكذب بن عمي..
قالت: أعرف..
قلت: إذا سننتظرها.. وصلتني رسالة الآن.. الشباب يتابعون وحقي معهم.. احتمال كبير توصل الأيام الجاية..
انفجرت في وجهي: لك ستة أشهر وأنت تتصل تقول الأيام الجاية.. الأيام الجاية.. وأنت الآن بعيد عنهم وموكل واحد الله أعلم به وبرضه مصدق؟
صرخت: ستصل! هي الخيط الأخير في ثقب الإبرة! لو انقطع.. متنا!
ضحكت ضحكة لم أسمع أقسى منها: وحتى لو وصلت.. إيش بتسوي بمليون؟ ما تجيب سيارة تشقى عليها، ولا تفتح دكان.. يا يالله تسد بها أفواه الديانة اللي يحومون حول البيت..
مسكتها من كتفها وقلبي يخفق: اسمعي.. لا فلوس في اليمن.. هذه جت من برا، من ثمان سنين وأنا أدفن عمري في صحراء الغربة.. عرقي، دمي، شبابي.. بنسدد منها اللي نقدر عليه والباقي نهرب به للمدينة ونبدأ من جديد.. اليمن ولادة.. اليمن ولادة بالخير يا فاطمة.. رغم أنف الفقر والقهر!
سكتت.. والصمت بيننا كان أثقل من جبل صبر.. فأكملت أحدث نفسي قبلها، أرتق جرحي بالكلام:
: اليمن رغم أنها جائعة إلا أنها تشبع الروح.. جبالها ما تركع لاحد ووديانها تحبل بالعسل حتى في سنين القحط.. اليمن رائعة وهي تنزف وسعيدة وهي تلملم جراحها بيديها العاريتين..هنا الفقر لا يقتل الضحكة.. نتقاسم كسرة اللحوح اليابس فتصير عيدا ونشرب الماء المغلي على الحطب ونسميه شاهي فتضحك أمعاؤنا قبل أفواهنا..
اليمن ولادة.. تلد من رحم العدم كرامة تمشي على قدمين ومن رحم الحرب قصيدة تكتب بالدم ومن رحم الخيبة أملا صغيرا.. صغيرا جدا.. بحجم ثقب الإبرة الذي رأيتيه في قاع فنجاني..
وما دامت قلوبنا لم تثقب بعد، وما دمنا نعرف طعم القهوة المرة وطعم الضحكة المستراقة، سنعيش.. لأن اليمن ليست ترابا وجبالا.. اليمن هي أنت وأنا وابننا..هي الرسالة التي أومضت في هاتف يحتضر لتقول لي: مازال في العمر بقية..
نظرت إلي.. ولأول مرة منذ وطأت قدماي عتبة البيت المائل رأيت دمعة تسقط من عينها.. لم تبك.. فقط سقطت دمعة واحدة حارة مالحة كأنها وقعت بها على هدنة هشة مع كل هذا الخراب.
للبقية تتمة..
