الأربعاء 6 مايو 2026

بن شاهر آخر الأنقياء

الناصري -القومي -العروبي الملتزم النقي في السبعينيات المرحوم بن شاهر؛ المؤتمري منتصف الثمانينيات، ولد عام 1957 في القريشة مديرية الشمايتين الحجرية محافظة تعز. عرفته -رحمة الله عليه- عند عام 1971م، في قاهرة المعز، وهو على مقعد كلية الطب، قبل أن يتحول إلى كلية الصحافة التي كانت بالنسبة له الحلم، حيث ترك كلية الطب بعد أن أمضى فيها ثلاثة أعوام، من أجل خاطر الصحافة والإعلام.

بن شاهر
حينها كان المد القومي الناصري لايزال في أوج ألقه، وصلت القاهرة برفقة زميلين رفيقين أحدهما من حزب العمال والفلاحين، والآخر من حزب اتحاد الشعب الديمقراطي، وكان العبد لله من الحزب الديمقراطي الثوري. بعض الإخوة القوميين المتشددين من اليمنيين في القاهرة، أرادوا الإيقاع بنا لمجرد نقاشات ومهاترات حصلت بيننا. بلغ الأمر الأستاذ بن شاهر، وهو كان حسب ما أعتقد يومها رئيس أو نائب رئيس رابطة الطلاب اليمنيين بالقاهرة. غضب لهذا التصرف، ومن فوره تحرك والتقى بهم، وقال لهم: "ما تريدون فعله سلوك مشين وعيب أسود في حقنا جميعًا، توقفوا عن هكذا ممارسات". وفي اليوم التالي التقينا معه دون سابق موعد، فقال لنا: كم ستظلون في القاهرة؟ فقلنا: ثلاثة أيام فقط، وبعدها سنتوجه إلى سوريا لمهمة محدودة، فقال: على بركة الله.
وعند عام 1985 جمعنا بابن شاهر مقيل، فتجاذبنا الحديث، ليذكرنا بما حدث في القاهرة، ويوضح لنا حقيقة ما جرى من قبل المحسوبين على التيار الناصري.
كنا في لقاء آخر في التوجيه المعنوي بدعوة من الفندم علي حسن الشاطر، مع مجموعة صحفيين. وعند حضور الأستاذ المرحوم محمد شاهر، سأله أحد الحضور (لم أعد أتذكر اسمه): لماذا سميت عمودك في "26 سبتمبر": "نقطة ضوء"، بدلًا من بصيص أو قليل ضوء أو أية تسمية أخرى؟ لأن الضوء مادة جافة -على حد تعبيره- وليست سائلة حتى تقطر. فامتد النقاش بينهم لما يقترب من 20 دقيقة حسب تقديري، لكن السائل كان قد خرج من النقاش مقتنعًا بما طرحه الأستاذ شاهر.
بعد إعادة تحقيق وحدة الوطن، كان الأستاذ محمد شاهر قد تم تعيينه كوكيل لوزارة الإعلام لشؤون الصحافة.. فجاء إليه صديقه وزميلي الأستاذ ياسين سفيان عبده ناجي الحمادي، يطلب تصريحًا لمجلة "التأمينات"، وكتب في الاستمارة بأنه رئيس التحرير. عندها رفض الأستاذ شاهر الموافقة والتوقيع، قائلًا: "يا أخي وصديقي ياسين، لرئيس التحرير شروط لا تتوفر لديك. ائتني بصحفي معروف تتوفر فيه الشروط لرئاسة التحرير، واجعل نفسك صاحب الامتياز أو أي وضع آخر. لكن زميلنا الأستاذ لم يعجبه الوضع، فذهب إلى استخدام أسلوبه الخاص لتمكينه من رئاسة التحرير.. بينما كان بن شاهر على قدر كبير من احترام الأنظمة والقوانين، ولا يقبل بالمجاملات والوساطات مهما كان الأمر.
والحق بالحق أقول إن بن شاهر كان -رحمه الله- شديد الاعتزاز بعروبته وقوميته، لكنه لا يصل إلى درجة التعصب والتشدد، فهو يقبل بالآخر، ويتعاش مع أصحاب الآراء والأفكار.
قبل سنوات قليلة كنت مع واحد الزملاء في مهمة عمل إلى تعز، حينها كان الأستاذ محمد قد ترأس تحرير صحيفة "الجمهورية"، وبعد أن أكملنا مهمتنا اقترح الزميل زيارة بن شاهر، يومها استقبلنا استقبال الكرام أصحاب الشهامات. صاحبنا يعجبه المزاح كثيرًا ولسانه فالت، اشترط على الأستاذ أن يوفر له طلبًا محددًا، فرد عليه قائلًا: "الضيف بحكم المضيف"، فصمت.
رحم الله الأستاذ الزميل القدير محمد شاهر حسن القرشي، رحمة الأبرار، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.. إنا لله وإنا إليه راجعون.
الأمين العام لحزب العمال الديمقراطي