الوجع المتجمد: في ذكرى الغياب المر لـ "محمد عبد الولي"
تمرُّ العقود، وتتوالى السنون، وما يزال ذلك التاريخ، الثلاثون من أبريل 1973، نصلًا مغروسًا في خاصرة الذاكرة. خمسة عقود ونيف مضت، لكن الزمان والمكان عندي قد تجمدا تمامًا عند تلك اللحظة؛ فلا الدمع استطاع أن يغسل الوجع، ولا النسيان استطاع أن يرمم انكسار الروح.

انقباض الروح.. نذير الفاجعة
في ذلك الصباح المشؤوم، ومع اقتراب الساعة من العاشرة، شعرت بضيق في صدري لم أعهده من قبل، انقباضٌ يسري في الروح كما يسري الخوف من المجهول. كنت حينها في "مطبعة الدار الحديثة" بتعز، محاطاً بالزملاء محمد نزار الحرازي والمهندس محمد قاسم الحمادي، نمارس روتيننا اليومي بين الحروف والكلمات، بينما قلبي كان يلتفتُ جهة "عدن" بهجسٍ غامض.
كانت إذاعة عدن رفيقتي الدائمة، لكنها في ذلك اليوم كانت غريبة الأطوار؛ فبين الأناشيد الثورية التي لا تنقطع، بدأت لغة أخرى تتسلل إلى الأثير مع دقات الثالثة عصراً.. تلاوات من القرآن الكريم. ومع كل آية تُتلى، كان نبضي يتسارع وضيق صدري يزداد، وكأنَّ الهواء في تعز بدأ ينفد.
ليلة البيان الأخير
انتهى الدوام، رحل العمال، وبقيتُ وحيداً في مواجهة الصمت المطبق وإذاعة عدن التي استمرت في تلاوة آيات العزاء. عند التاسعة مساءً، قُطع البث بنداء زلزل كياني: "بيان هام سيصدر بعد قليل".
لم أعد أحتمل الوحدة، فجسدي بدأ ينتفض ارتعاشاً. ذهبتُ إلى صديقي محمد نزار في فندقه بشارع 26 سبتمبر، طلبتُ منه أن يفتح المذياع، وكأنني أبحث عمن يشاطرني هول ما أتوقعه. ومع مطلع الفاتح من مايو، في الدقائق الأولى من منتصف الليل، خرج صوت "عبد الله الخامري" ليقرأ البيان الذي سقط كالصاعقة.
تلى الأسماء.. اسماً تلو الآخر.. دبلوماسيون، وزراء، ورفاق.. كنت أشعر بغصة مع كل اسم، حتى وصل إلى الاسم الذي أوقف نبض العالم في عيني:
والأديب اليمني الكبير.. محمد عبد الولي
في تلك اللحظة، لم أصرخ، ولم أبكِ. تجمدتُ في مكاني كتمثال من رخام، ذهولٌ شلّ أطرافي وأخرس لساني. بجانبي، انفجر محمد نزار بالبكاء كطفل مفجوع، علا نحيبه ليملأ المكان، وأخذ يعانقني بحرقة، أما أنا فكنتُ غائباً عن الوجود، أنظر إليه بعينين جامدتين وقلبٍ توقف فيه الزمان.
عدتُ أمشي في شوارع تعز الساكنة تحت وطأة منع التجول، وجدتُ محمد قاسم ينتظرني لمواساتي، لكنني كنتُ جسداً بلا روح. لم تظهر على تقاسيم وجهي أي علامة انكسار، ليس صبراً، بل لأن الفاجعة كانت أكبر من أن يعبر عنها وجه بشري. التفتُّ إليه ببرود الموتى وسألتُ السؤال الذي مزق قلبي: "كيف سأخبر "برجيتا"؟. زوجته التي كانت تحزم حقائبها للحاق به، ليطيرا معاً نحو حلم الهجرة إلى السويد، لكن طائرة الغدر كانت أسرع من أحلامهما.
لقد كان سجن الشطر الشمالي -الذي أُكره على دخوله مرتين- أرحم بكثير من غدر الموت في الشطر الجنوبي. رحل محمد، الأخ النبيل، والصديق الوفي، والمثل الأعلى الذي كنت أرى فيه وجه الحياة الجميل.
منذ ذلك اليوم، مات في داخلي كل شيء وتجمد، تماماً كما فعل الحزن بالخنساء بعد رحيل صخر؛ فالحزن على رجل بحجم محمد عبد الولي لا ينتهي بمرور السنين، بل يتجدد مع كل فجر، ليبقى جرحاً مفتوحاً على وطنٍ ضاع فيه العظماء قبل أوانهم.
