القفز فوق الركام: نحو استراتيجية استباقية وذكية لتعافي اليمن
في آخر إحصاء موثوق، كان عدد الأطفال اليمنيين خارج المدارس يتجاوز خمسة ملايين طفل. ليس لأن ذويهم لا يريدون تعليمهم، بل لأن المدارس دُمّرت أو تحوّلت إلى ثكنات أو ببساطة توقفت. في الوقت ذاته، انكمش الاقتصاد بأكثر من 50%، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 58% منذ عام 2015 وفق البنك الدولي. هذه أرقام لا تصف دولةً تعاني، بل تصف دولةً كانت تسير فتوقفت، بينما استمر العالم من حولها في الجري.
غير أن الأرقام وحدها لا تمنحنا صورة كاملةً، ولا تُعبّر عن الكلفة الحقيقية للحرب. فثمة نتائج لا تبلغها الأرقام بسهولة، ومن هذا كلفة الفرص الضائعة، وهي كلفة مهولة في الواقع. لقد تجمد الزمن التنموي في البلاد لعقد ونصف؛ فمنذ عام 2010 توقف الإنفاق الاستثماري بشكل شبه كامل، وتوقف معه بناء المدارس والمنشآت والطرق والمشاريع.. إلخ التي كان يفترض أن تُنجز. تخيلوا معي ما كان يمكن إنجازه خلال عقد ونصف، خصوصاً إذا علمنا أن معدل النمو الاقتصادي السنوي كان في الغالب لا يقل عن 5%. والكثير مما ضاع في تلك السنوات لا يمكن تعويضه.
ولا يقف الأمر عند حدود ضخامة الدمار وثقل الفرص الضائعة. فالأزمات القائمة تتفاقم مع مرور الوقت وتُولّد أزمات جديدة، والهوة بين اليمن والعالم تتسع يوماً بعد يوم، وهي هوة سيكون على اليمنيين ردمها أو تجاوزها. والأخطر أن الميزات النسبية لليمن في تآكل مستمر؛ فما كان ممكن التحقيق بالأمس لا يمكن تحقيقه غداً بالشروط والجدوى ذاتها. خذوا مثلاً الموقع الجغرافي والسواحل الممتدة المطلّة على أحد أكثر ممرات العالم التجارية ازدحاماً، والذي طالما مثّل الورقة الاستراتيجية الأثمن لليمن. فسلطنة عُمان تُكمل تحوّلها إلى مركز لوجستي متكامل، والقرن الأفريقي يشهد موجة تطوير للموانئ، والسعودية تضخّ استثمارات ضخمة في جزر البحر الأحمر، وتقوم الصين بتطوير ميناء جازان. ما يحققه هؤلاء اليوم يأتي خصماً مباشراً من قيمة ورقة الموقع هذه ورصيد اليمن الاستراتيجي.
على أي حال، سيكون على اليمن في نهاية المطاف أن يلملم جراحه ويعوّض خسائره ويلحق بالعالم من حوله. والمنطق التقليدي يفترض انتظار نهاية الصراع وعودة الاستقرار أولاً. لكن هذا الانتظار سيكون خطأً استراتيجياً ويضيف إلى التعقيدات القائمة، والأسباب عديدة أهمها أن وضع خطط التعافي يستغرق بذاته سنوات طويلة، وإن أُجّل هذا التحضير إلى ما بعد الاستقرار ضاعت فرص ثمينة كان بالإمكان استثمارها. الدول الذكية لا تنتظر انقشاع العواصف، بل تبدأ التخطيط ورماد الأزمات مازال يتصاعد.
ومع ذلك، لنفترض أن الصراع توقف، وصير إلى تسوية سياسية غداً، هل يكفي ذلك؟ للأسف لا. فحتى مع الاستقرار السياسي، يكاد يكون مستحيلاً على اليمن في ظل قوائم أولوياته المتراكمة واحتياجات الضخمة، أن يتعافى ويعوّض ما فاته بالطرق التقليدية: الخطط الخمسية البطيئة، ومشاريع الترميم القطاعي، وصناديق الإعمار الدولية. هذه كلها أدوات صُمّمت لدول تعاني من تأخر تنموي غير هيكلي، لا لدول تحتاج إلى ردم فجوة عقد ونصف من الجمود التنموي والاقتصادي الشامل. الأمر في حالتنا سيكون أشبه بمحاولة أحدهم اللحاق بقطار سريع باستخدام دراجة هوائية؛ السرعة النسبية للدراجة لا تُقرّب صاحبها من القطار الذي سيظل يبتعد. وهذا بالضبط ما سيحدث لو اكتفى اليمن بانتظار الاستقرار السياسي وتبنّى مقاربة التنمية التقليدية. فهذا يساوي جهد ضخم وموارد مستنزفة ونتائج لا تعوّض ما فات ولا تُضيّق الهوة مع العالم. إذن، ما المطلوب؟ وما الذي يجب القيام به؟ وكيف ومتى؟
قبل الحديث عن المقاربة البديلة، تقدّم لنا تجارب الدول نماذج في الجرأة الاستراتيجية تُساعدنا في فهم المنطق الذي يحكم التحولات الكبرى. رواندا خرجت عام 1994 من حرب أهلية مروّعة دولةً مُدمَّرة، غير أنها لم تسلك طريق التعافي التقليدي؛ بل ركّزت على الاستثمار الاستراتيجي في التكنولوجيا والاتصالات والسياحة الطبيعية وخلق بيئة أعمال نظيفة، حتى باتت تُعرف بـ"سنغافورة أفريقيا"، وهي اليوم من أسرع اقتصادات العالم نمواً. الدمار الكامل، حين يقترن بإرادة استراتيجية واضحة، قد يغدو فرصةً للتأسيس من جديد، لا مجرد مبرر للتخلف. مثال آخر لتجاوز المقاربات التقليدية للتنمية يأتينا من إستونيا التي خرجت من تحت مظلة الاتحاد السوفيتي عند انهياره عام 1991 بميراث ثقيل من البيروقراطية المترهلة وبنية تحتية متقادمة لا تكاد تكون لها قيمة، فهذه الدولة الصغيرة لم تحاول تطوير البنى التحتية المتواضعة بالطريقة التقليدية، واختارت نهجا مختلفاً، فقد تبنت منظومةً مختلفة كلياً، وتحوّلت إلى نموذج في الحكومة الرقمية يُدرَّس في الجامعات. والدرس واحد في الحالتين: حين تكون البنية القديمة مُثقَلة بالعيوب والتكاليف، قد يكون أذكى الخيارات تجاوزها لا ترميمها.
وهذا هو جوهر الإشكالية في مقاربات تعافي الدول المنكوبة؛ فكثيراً ما تبدأ بالسؤال الخاطئ، وتتجاهل، جهلاً أو تقاعساً، الحقائق الجديدة ومتطلبات البيئة المتحوّلة. المقاربات التقليدية للتعافي ستستنزف عقوداً وتريليونات، ولن تُنتج في أفضل الأحوال سوى وضع أفضل بقليل أو كثير مما هو قائم اليوم، لكن ليس أكثر. وستبقى البلاد في سعي لاهث للحاق بعالم يتجاوز البنى والأنظمة التقليدية. دعونا نوضح هذه الإشكالية في عدة قطاعات:
في التعليم، السؤال الصحيح ليس "كم مدرسةً نبني؟" واليمن يحتاج فعلاً إلى آلاف المدارس التي يستلزم بناؤها مليارات الدولارات وعقوداً من الزمن. لكن حين يتحوّل السؤال إلى "كيف نُوصل التعليم إلى خمسة عشر مليون طفل في بيئة هشة بأقل تكلفة وأعلى جودة وأسرع وقت؟"، يتغيّر الجواب جذرياً. الجواب قد يطرح التحول إلى شبكات التعليم الرقمي اللامركزية التي تعمل حتى في غياب الكهرباء المستقرة، والمناهج القابلة للتنزيل عبر الأقمار الاصطناعية، ونموذج "المعلم الكفء الواحد للمجتمع" الذي يُغطّي قرى بأكملها.
في البنية التحتية للنقل، السؤال الصحيح هو "كيف نحلّ معضلة التنقل في دولة يتمركز سكانها في مناطق جبلية وعرة، في زمن تتغيّر فيه صناعة النقل من الأساس؟" بالطبع يحتاج اليمن إلى تأهيل آلاف الكيلومترات من الطرق وشقّ أخرى جديدة. لكن تأمّلوا حجم الوقت والجهد والمال اللازمَين لبناء شبكة طرق في هذه التضاريس الجبلية المعقدة، وقارنوا ذلك بنماذج النقل الأكثر ذكاءً والأقل كلفةً، كالتلفريك الذي يختصر ساعات من السفر الوعر إلى دقائق. يُضاف إلى ذلك أن العالم مُقبل على طفرة حقيقية في صناعة النقل نحو المركبات الطائرة والطائرات المسيّرة؛ وعليه، فبناء بنية تحتية متوافقة مع هذا التحول المقبل أذكى بكثير من الاستثمار في شبكة طرق قد لا تكون الحاجة إليها بالقدر ذاته بحلول منتصف القرن.
في الطاقة، لن يكون السؤال المجدي "كيف نُعيد تشغيل محطات الكهرباء المدمّرة والمتهالكة ونبني محطات جديدة؟"، بل "كيف نجعل اليمن دولةً مُنتِجةً للطاقة النظيفة المستدامة لا مستهلكةً لها؟" التيارات البحرية القوية عند مضيق باب المندب، والحرارة الجوفية في مناطق عديدة، والإشعاع الشمسي الهائل، كلها تمنح اليمن فرصةً حقيقية لبناء منظومة طاقة لا تعالج العجز الطاقوي المزمن فحسب، بل تحوّل البلاد إلى دولة مصدرة للطاقة وتمنحها بذلك ورقة نفوذ اقتصادي. وما يُعزّز هذا التوجه أنه منسجم مع التحولات الطاقية العالمية، ومع موجة التمويل المناخي الدولي الباحثة عن مشاريع جادة وواعدة.
في الموقع الجغرافي، السؤال الصحيح ليس "كيف نُعيد تشغيل ميناء عدن؟"، بل "كيف نُحوّل الحضور الجغرافي لليمن إلى سيادة اقتصادية راسخة؟" لم يعد كافياً أن يكون موقعك مهماً في ظل التطورات المتسارعة في المنطقة المحيطة والمشاريع الضخمة في المواني والبنى التحتية العملاقة للنقل البحري في المنطقة. يجب أن يكون اليمن هو الطريق لا مجرد نقطة عليه: استراتيجية متكاملة للخدمات اللوجستية المتقدمة تشمل التخزين والتموين وخدمات البيانات والاتصالات البحرية وإدارة سلاسل الإمداد الرقمية والسياحة البحرية.
وثمة ملف آخر له أهمية بالغة، وربما يكون الأهم على الإطلاق خلال العقود القادمة. فمع التحوّل الأخضر وتسارع الطلب على الطاقة النظيفة وانتشار السيارات الكهربائية وتمدد صناعات التكنولوجيا الفائقة، ظهرت حاجة غير مسبوقة إلى ما بات يُعرف بـ"المعادن الحرجة": الليثيوم والكوبالت والنيوديميوم والعناصر الأرضية النادرة. هذه المعادن هي النفط الجديد، والطلب عليها يتضاعف مع كل سيارة كهربائية تُصنَّع ومع كل توربين رياح يُنصَّب ومع كل بطارية تخزين تُنتَج، وسط توقعات بأن يتخطى الاستثمار في هذا القطاع 800 مليار دولار بحلول عام 2040. واليمن، بتنوعه الجيولوجي غير المستكشف، قد يمتلك احتياطيات وافرة من هذه المعادن، خصوصاً في شوء المؤشرات على وجود احتياطيات كبيرة من هذه المعادن في دول الجوار. ما يجب العمل عليه من الآن، حتى من باب التحوط، هو صياغة استراتيجية وطنية للمعادن الحرجة.
خلاصة القول، اليمنيون مطالبون اليوم بالتفكير بطريقة مختلفة، طريقة تُقرّ بحجم الكارثة والأعباء دون أن تستسلم لمنطقها، وتستوعب ما يجري في العالم من تحولات متسارعة. هم مطالبون بالتحرك فوراً، لا لتنفيذ مشاريع بعينها، بل لبناء قاعدة معرفية وتشريعية واستثمارية تُهيّئ المقاربات والخطط والمشاريع المطلوبة، وتجعل الانطلاق ممكناً فور استقرار الظروف السياسية. فالخيار في نهاية المطاف ليس بين تعافٍ سريع وتعافٍ بطيء، بل بين منطقَين: إما الترميم الذي يُعيد إنتاج دولة عجزت عن المضي قُدُماً حتى قبل اندلاع الحرب، وإما التفكر خارج الصندوق وامتلاك جرأة استراتيجية للقفز نحو المستقبل. المهمة الأولى الآن هي وضع مصفوفة بما يمكن أن نطلق عليه المشاريع الحرجة، وهي:
مشاريع تحصين جيوسياسي وذات رهانات طويلة الأمد.
مشاريع تحرير مالي وسياسي تعيد للدولة القدرة على السيطرة على مواردها وقرارها السيادي.
مشاريع ذات أثر اقتصادي مضاعف تخلق ديناميكية تنموية واسعة النطاق، تتجاوز القطاع المستهدف إلى بقية القطاعات الاقتصادية.
مشاريع تقوم على الاستغلال الذكي للميزات النسبية للبلاد: الجغرافية والطبيعية والبشرية وتحويلها إلى أصول فاعلة.
