الخميس 30 أبريل 2026
  • الرئيسية
  • من الذي فقد أمنه أولًا... الفكرة أم الإنسان؟

من الذي فقد أمنه أولًا... الفكرة أم الإنسان؟

في تلك الغرفة بمركز ابن عبيدالله السقاف بمدينة سيئون، بتاريخ 19 يناير 2011م، لم يكن المشهد مجرد فعالية ثقافية عابرة. كان أقرب إلى مساحة فكرية مفتوحة، يجلس فيها الناس لا بوصفهم حضورًا عدديًا، بل بوصفهم عقولًا تحاول أن تفهم أكثر مما تحكم.

مشاركون في  الفعالية

في تلك الأمسية، قدّم الزميل نبيل الصوفي محاضرته بعنوان: "الأمن الفكري... الطوق المفقود: كيف نعيده؟".
لم تكن المحاضرة استعراضًا نظريًا بقدر ما كانت محاولة لفتح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات جاهزة.
كانت الفكرة تُعرض ببساطتها، لكنها تترك أثرًا يتجاوز لحظة الاستماع، كأنها تدعو الحضور إلى إعادة التفكير في المسلّمات لا الاكتفاء بتلقيها.
كان النقاش في تلك القاعة يسير في اتجاه مختلف عمّا أصبح مألوفًا اليوم؛ اختلاف بلا توتر، ورأي يُقابل برأي دون أن يتحول إلى خصومة. لم يكن الهدف أن يتفق الجميع، بل أن يفهم كل طرف كيف يفكر الآخر، في مساحة تسمح بتعدد الرؤى دون أن تهددها.
ذلك المكان لم يكن مجرد مركز ثقافي، بل كان نموذجًا مصغرًا يجمع أطيافًا مختلفة من المجتمع الحضرمي، لإمكانية العيش المشترك فكريًا، حيث تتجاور الانتماءات دون أن تلغي بعضها بعضًا.
تحية تقدير للأستاذ محمد حسن بن عبيدالله السقاف، الغائب الحاضر، ولمن أسهموا في صناعة هذا الأثر،
وهو ما يجعل استعادته اليوم أكثر من مجرد حنين، بل استدعاء لفكرة كانت ممكنة ذات يوم.
اليوم، وبعد أكثر من عقد على تلك اللحظة، تبدو الصورة مختلفة إلى حدٍّ كبير. فقد تعمّقت الاستقطابات السياسية، ولم تعد الخلافات تقف عند حدود الرأي أو التقدير، بل امتدت إلى طريقة تشكيل الوعي نفسه.
صار الانتماء في كثير من السياقات يسبق الفكرة، وتراجعت مساحة التفكير الفردي أمام ضغط الاصطفاف الجمعي، حتى بات كثير مما يُتداول أقرب إلى مواقف جاهزة أكثر من كونه نتاجًا لتفكير مستقل.
بعد كل هذه السنوات، يعود السؤال بشكل أكثر إلحاحًا: من الذي فقد أمنه حقًا... الفكرة أم الإنسان؟
إن ما يُعرف اليوم بـ"الأمن الفكري" لم يعد مجرد مفهوم نظري، بل أصبح مؤشرًا على طبيعة العلاقة بين الفرد والفكرة، وبين المجتمع واختلافه. فحين يُصبح السؤال نفسه محلّ ريبة، ويُنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا، نكون أمام تحوّل أعمق من مجرد تباين في الآراء.
ولعل أخطر ما في المشهد الحالي، ليس فقدان الحوار، بل فقدان الرغبة في ممارسته أصلًا.
فبدل أن تكون الفكرة مساحة مشتركة للتفكير، تحولت في كثير من الأحيان إلى علامة انتماء، تُستخدم لتحديد "من نحن" أكثر من استخدامها لفهم "ما نعتقده".
هذه الصورة القديمة من سيئون ليست مجرد أرشيف لحدث مضى،
بل تبدو أحيانًا كمرآة لا نحب النظر فيها طويلًا.
متى أصبح هذا الاتساع ضيقًا إلى هذا الحد؟
ولكنها تبقى أيضًا كتذكير بأن مساحات الحوار لم تكن مستحيلة، لكنها كانت تحتاج إلى إرادة واعية للحفاظ عليها.
ويبقى السؤال الذي لا يبدو أنه فقد راهنيته: هل افتقدنا تلك المساحات... أم افتقدتنا؟ أم أننا نحن من تغيّر حتى لم نعد نحتمل وجودها؟