الخميس 30 أبريل 2026
  • الرئيسية
  • إعادة التموضع… عندما تتحول السياسة إلى فن التنصّل

إعادة التموضع… عندما تتحول السياسة إلى فن التنصّل

ليست المشكلة في تبدّل المواقف، فذلك جزء طبيعي من العمل السياسي. المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحول هذا التبدّل إلى حرفة قائمة بذاتها: القفز من السفينة قبل الغرق، ثم الوقوف على الشاطئ لإلقاء اللوم على الربّان، وكأن القافزين لم يكونوا جزءًا من الرحلة أصلًا.


في الحالة اليمنية، لم يعد هذا سلوكًا عابرًا، بل أصبح نمطًا متكررًا يكاد يُدار بعقلية واحدة: التقدم في لحظة الحماس، والتنصل عند فقدان المصلحة.
عند توقيع اتفاقية الوحدة، لم يكن الأمر قرارًا فرديًا ولا مغامرة معزولة. كانت لحظة سياسية مشبعة بالحماس، واعتُبر التوقيع شرفًا لا يناله إلا من يضع نفسه في الصفوف الأولى. لكن بعد سنوات، ومع تبدّل النتائج، ظهر من يتنصل من الجنوبيين من تلك اللحظة، ويلقي بكل شيء على علي سالم البيض، وكأن بقية القيادات كانوا مجرد شهود زور لا شركاء قرار.
الأمر ذاته تكرر في حرب صيف 1994. شارك كثير من الجنوبيين في تلك الحرب التي شنّها علي عبدالله صالح وحلفاؤه ضد الحزب الاشتراكي اليمني، وما تبعها من استباحة للجنوب. لكن بعد أن انقلبت الموازين، وذاق البعض مرارة التهميش، جرى اختزال المشهد بالكامل في طرف واحد (صالح والشماليين)، بينما اختفى الآخرون من الرواية، وكأنهم لم يكونوا جزءًا من الفعل أو القبول به.
جاء إعلان عدن في 4 مايو 2017، حيث احتشدت خلف عيدروس الزبيدي ومجلسه الانتقالي طوابير من "القيادات" و"رؤساء المكونات"، وأعلنوا أن الجنوب هو الانتقالي وما سواه شر محض يخدم الشمال وحده.
وفي غزوة حضرموت تصدروا المشهد، قادوا الخطاب، وبشّروا بدولة الجنوب العربي، بل وتسابقوا لتهنئة الناس بما سموه "انتصارًا" أعاد الكرامة التي سُحقت في 94م.
لكن، وما إن تغيّرت مواقف دول التحالف نتيجة حسابات إقليمية لا علاقة لها بالشعارات المرفوعة، حتى تبدل المشهد في لحظة:
اختفى المؤيدون،
تراجع المتصدرون،
وانقلب التصفيق إلى إدانة.
فجأة، أصبح كل ما حدث خطأ شخصيًا يُحمّل على عاتق الزبيدي وحده، بينما الذين ملأوا الساحات ضجيجًا، انفضّوا بهدوء، وكأن غبار حضرموت لم يعلق يومًا على وجوههم.
هذا ليس اختلافًا في التقدير السياسي، بل تنصّل ممنهج من المسؤولية. فحين يكون القرار جماعيًا في لحظة الزهو والقوة، وفرديًا عند تباين المصالح، فنحن لا نتحدث عن سياسة، بل عن انتهازية صريحة.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يراهن على شيء واحد: أن الناس تنسى.
لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا. ذاكرة الناس حية، تحتفظ بالتفاصيل، وتستعيد المشاهد.
نعم، المصالح تحرّك السياسة، وهذه ليست مفاجأة. لكن حين تتحول المصلحة إلى البوصلة الوحيدة، ويُستبعد أي إحساس بالمسؤولية أو الانتماء، تصبح السياسة مجرد سوق لتبديل المواقع، لا ساحة لصناعة المواقف.
وفي النهاية، لا يمكن لأي خطاب جديد أن يقنع جمهورًا رأى المشهد نفسه يتكرر، إلا من أصابه التبلد.
من شارك في القرار، يجب أن يتحمل مسؤوليته كاملة. تلك بديهية لا تقبل البراهين.
أما أن تكون شريكًا في صناعة الحدث، ثم شاهدًا محايدًا عند سقوطه، فهذه ليست براعة سياسية... بل سقوط أخلاقي مغطى بخطاب مزيّف.
والتاريخ، مهما حاول البعض إعادة كتابته، لا ينسى.