صعود الجماعات بعد سقوط الأنظمة الحاكمة
حين تنهار الأنظمة السلطوية لا ينهار معها جهاز الحكم فحسب، بل ينهار أيضًا نظام المعاني الذي كانت تلك الأنظمة—بشكل مباشر أو غير مباشر—تتحكم في تشكيله وتمثيله وإنتاجه وضبطه.
من هنا يصبح السؤال عن التفاف الجماهير حول جماعات أو حركات جديدة سؤالًا يتجاوز التفسير السياسي المباشر إلى مستويات أعمق من التحليل السوسيولوجي والنفسي لطبيعة تشكّل المعنى في المجتمعات.
حيث لا يمكن فهم هذا الالتفاف بوصفه انتصارًا تلقائيًا لأفضل الأفكار أو أكثر السرديات تماسكًا.
الأنظمة السلطوية، عبر القمع الطويل، لا تكتفي بإسكات الأصوات المعارضة، بل تعيد تشكيل شروط إنتاج الحقيقة ذاتها؛ حيث تُضعف الثقة بالمعايير، وتُربك القدرة على التمييز، وتُفرغ المفاهيم من دلالاتها، ولا تبقي ما يمكن الرهان عليه.
وعندما تسقط، لا تترك وراءها ساحة نقاشٍ حر، بل فراغًا معرفيًا وشعورًا بالضياع.
في هذا الفراغ، لا يُقاس تماسك السرديات بصرامتها الداخلية بقدر ما يُقاس بقدرتها على الظهور كإجابة في لحظة فقدان كل إجابة.
وحيث إن الإنسان كائن لا يحتمل الفراغ المعنوي طويلًا، فالحاجة إلى المعنى ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. وعندما يُسلب الفرد—عبر عقود من القمع والتهميش—إحساسه بالجدوى والانتماء، فإنَّه يصبح أكثر قابلية لتأييد أي خطاب يمنحه شعورًا بالمعنى، حتى لو كان هذا المعنى إقصائيًا للغير أو غير عقلاني.
في هذه اللحظة، لا تعمل آليات النقد والتفكير المتأني بكفاءة؛ حيث تطغى الحاجة العاطفية إلى اليقين والانتماء على الحاجة المعرفية إلى التقييم والتحقق.
لذلك، فإنَّ الجماهير لا تندفع نحو هذه الجماعات والحركات التي تنتج سردية تبدو متماسكة، لأنها أقنعتها منطقيًا، بل لأنها ملأت فجوة نفسية عميقة في حقبة معينة، هي فجوة المعنى.
في السياق نفسه يمكن القول إنَّ الأنظمة الاستبدادية هي المسؤول المباشر عن ذلك لأنها لم تتح المجال العام لتعدد الأصوات وتفاعلها الحر، ولم تبنِ مؤسسات تسمح بإنتاج المعنى وتداوله بصورة نقدية وتشاركية.
فالأنظمة السلطوية لا تدمر السياسة فقط، بل تُفكك البنى التي تمنح المجتمع تماسكه، وفي مقدمتها المؤسسات المدنية والأهلية والمهنية؛ ولذلك نلمس بوضوح تضاؤل أو انعدام دور النقابات والأحزاب والصحافة والإعلام، وتجريف المجال العام وأي فضاءات نقاش، والعمل على تكريس الصوت الواحد حتى يصبح الإذعان ثقافة عامة.
مع غياب البنى التي تمنح المجتمع تماسكه يصبح المجتمع هشًا، ويتآكل الشعور بمعنى الحياة، ويغدو أقرب إلى كُتلٍ بشرية غير منظَّمة تبحث عن مركز ثقل جديد.
عندما يُحرم الأفراد من الإحساس بالجدوى والانخراط، تتراجع فاعلية آليات النقد العقلاني، لصالح نزعة عاطفية تبحث عن اليقين والانتماء، حتى وإن تم ذلك عبر تبني خطابات إقصائية أو تبسيطية.
من هنا يتهيأ الملعب للحركات والجماعات التي تظهر بعد انهيار السلطة الحاكمة، خاصة تلك التي تمتلك بنية تنظيمية مسبقة أو خطابًا بسيطًا واضح المعالم وقادرًا على إنتاج سردية شعبوية.
هكذا تجد الحركات والجماعات نفسها في موقعٍ متميز لملء الفراغ، ليس لأنها الأفضل، بل لأنها ظهرت في توقيت احتياج المجتمع إلى سرديةٍ بديلة، ومن ثَمَّ تحرز النجاح وتحظى بالتمكين، لا سيما إذا كانت أكثر جاهزية من الآخرين في لحظة انهيار النظام.
من هنا يمكن القول إنَّ صعود هذه الجماعات والحركات لا يعكس بالضرورة قوة ذاتية في خطابها، بل يعكس ضعفًا سابقًا في البيئة التي استقبلتها.
لقد قامت الأنظمة السلطوية التي انهارت، عبر سنوات طويلة، بإعدام المعنى—أي بتفريغ الحياة العامة من أي مشروع مشترك أو أفق دلالي.
وعندما سقطت، بدا أي خطاب—مهما كان بسيطًا أو حتى سطحيًا—وكأنه استعادة للمعنى ووعدًا بالخلاص من حالة التيه واللايقين.
إنها مفارقة التوقيت، حيث ليس المهم فقط ما يُقال، بل متى يُقال.
يمكن تقريب هذه الفكرة بمثالٍ بسيط، فمثلًا هناك مدير فاشل وفاسد يترك خلفه مؤسسة منهكة ويشيع في بيئة العمل شعورًا بالرتابة وانسداد الأفق. وبمجرد أن يأتي بعده مدير آخر، لا يتمتع بالضرورة بكفاءة أعلى، لكنه يقدم رؤية بديلة—ولو محدودة—ويمنح العاملين شعورًا بأن هناك قضية يعملون من أجلها. في هذه الحالة، سيشيع في بيئة العمل حالة من النشاط وسيحظى بالالتفاف حوله، وسيُنظر إليه بوصفه ناجحًا، لا بسبب تفوقه أو قوة منطقه، بل لأن المقارنة تمت في سياق انهيار سابق. لقد استفاد المدير اللاحق من سوء إدارة سابقه أكثر مما استفاد من كفاءته.
إضافة إلى ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن جزءًا من قابلية الجماهير للانخراط السريع في هذه الحركات والجماعات يرتبط بغياب التكوين النفسي والفكري الذي يسمح للفرد بأن يمتلك قدرة ذاتية على المفاضلة النقدية، فحين لا تتوفر لدى الأفراد أدوات التفكير المستقل، يصبحون أكثر عرضة لتبني أي إطار جاهز يمنحهم تفسيرًا للعالم وموقعًا داخله.
وهنا تتحول الجماعات والحركات — خصوصاً الدينية أو الأيديولوجية بصيغها الدوغمائية—إلى مصانع معنى سريعة، تقدم أجوبة حاسمة في عالمٍ فقد تعقيده.
لكن هذا لا يعني أنَّ هذه الظاهرة حتمية أو دائمة، فكما أنَّ التوقيت منح هذه الحركات فرصة الظهور والسيطرة، فإن الزمن نفسه قد يكشف حدودها، خاصةً إذا لم تستطع تحويل المعنى المُتخيَّل إلى مؤسسات عادلة وممارسات عقلانية.
عندها تبدأ دورة جديدة من الشك وفقدان المعنى، وقد ينفتح المجال مرة أخرى لسرديات بديلة.
خلاصة القول: إنَّ التفاف الجماهير حول جماعات أو حركات ما بعد سقوط الأنظمة السلطوية لا يُفسَّر بكون هذه الجماعات أو الحركات تحمل الحقيقة الأكثر إقناعًا، بل بكونها ظهرت في اللحظة التي بدا فيها أي معنى—مهما كان—أفضل من اللاشيء.
لقد التقت صدفة التوقيت مع حاجة إنسانية عميقة إلى المعنى، فنتج عن ذلك زخم جماهيري يبدو، للوهلة الأولى، وكأنَّه تعبير عن اقتناع، بينما هو في جوهره تعبير عن فراغٍ تم ملؤه على عجل.
