الخميس 30 أبريل 2026
  • الرئيسية
  • عبدالرحمن عمر مناضلًا استثنائيًا

عبدالرحمن عمر مناضلًا استثنائيًا

المناضل عبدالرحمن محمد عمر ليس كثيرًا أن نصفه بالمناضل الاستثنائي، عرفته في الشيخ عثمان حين عملت معه كمصور متدرب عند عام 1964م، ثم عرفته أكثر من خلال عام 1966م عند التحاقي رسميًا بالجبهة القومية، وقتها كان جنود الاستعمار البريطاني قد شددوا الإغلاق على منافذ دخول عدن من كافة الجهات، للحيلولة دون دخول الأسلحة والذخائر إلى الفدئيين في مناطق عدن..

عبدالرحمن عمر
ولما كان الأمر كذلك لم يعدم المناضل عبدالرحمن من فكرة أو حيلة، فكان أن اهتدى إلى تكليف مجموعة من الشباب الفدائيين لتجميع الحديد الجار الرابط لكراتين حليب الشاي، وبوقت قياسي جمعنا كمية لا بأس بها، فقال لنا ابحثوا عن مكان بعيد عن الأنظار نسبيًا، وانقلوا نصف الكمية إليه، والنصف الآخر اذهبوا به إلى سقف العمارة حقي، وفعلنا ذلك. فأخذ يشعل النار على تلك الحدائد حتى احمرت كحالة الجمر الملتهبة، وكان قد رتب الشباب ووزعهم على الجولات في إطار الشيخ والمنصورة، وبسرعة قياسية تم تعليق تلك الحدائد الملتهبة على كنبات الكهرباء وعلى مستوى قياس سيارات البوليس المكشوفة، والتي كان يركب عليها العسكر والضباط الإنجليز، واختفينا جميعًا من أمام أية حالة اشتباه، ولمجرد دقائق محدودة مرت سيارات الإنجليز مسرعة كعادتها، فتم قتل ضابطين وثلاثة عسكر، وإصابة عسكري واحد وفقًا لإذاعة لندن التي أذاعت الخبر، ووصفت الفدائيين منفذي العملية بالإرهابيين. ليلتها كان جنود وضباط الإنجليز في حالة خوف شديد وحذر من أن شوارع أخرى قد طالها ما طال شوارع الشيخ والمنصورة. وفي اليوم التالي كان القتلى 6 والجرحى 11 جنديًا وضابطًا بفعل توسع العملية وشمولها التواهي وخور مكسر والمعلا.
وفي ظل تلكما العمليتين النوعيتين أضحت رقابة الإنجليز على مداخل عدن محدودة وضعيفة، ما أدى إلى تمكن الفدائيين من إدخال كميات وافرة من الأسلحة والذخائر
من تعز ومناطقها المختلفة ومن المناطق القريبة في إطار محافظتي لحج وأبين. وبذلك حصلت الجبهة القومية على الأسلحة والذخائز الكافية لمعاركها المستمرة مع المستعمر.
هذا المناضل النوعي يرتبط بعلاقة جيدة مع كل الفصائل الوطنية، وكان صديقًا للجميع، مثلما هو صديق للمناضلين قحطان وسالمين وفتاح وعلي ناصر محمد والبيض وعنتر وصالح مصلح ومحمد صالح مطيع وراشد محمد ثابت وعبدالرزاق شائف وعبدالله الوصابي وعبدالعزيز عبدالولي من قيادة الجبهة القومية، هو أيضًا صديق لعبدالله عبدالمجيد الأصنج ومحمد سالم باسندوة وعبدالقوي مكاوي وغيرهم من جبهة التحرير، وهو كذلك صديق لجماعه الرابطة، وغالبًا كانوا يلتقون عنده في الاستديو أو المنزل، الجميع يحترمه والجميع يقدره، وعند المواجهة المسلحة بين جبهة التحرير والرابطة مع جانب والجبهة القومية من جانب آخر، تدخل المناضل عبدالرحمن عمر، وتمكن باقتدار من حل الخلافات بينهم، وتوقيف المواجهة المسلحة.
بٱنجاز الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م، عرض على هذا المناضل مناصب عديدة، رد عليهم بقوله نحن ناضلنا من أجل خلاص الوطن من الاستعمار لا من أجل المناصب والمسؤوليات، لكن أهالي طور الباحة تجمهروا أمام الاستديو التابع له في الشيخ عثمان، وكان الكثير منهم تربطهم به علاقة نضالية وصداقة عميقة، وأخذوا يرددون "يا رئيسنا يا قحطان.. اعطنا بس عبدالرحمن". وأمام ذلك أصدر الرئيس قحطان الشعبي اليوم التالي قرارًا بتعيينه مأمورًا لمنطقة طور الباحة، وقبل ذلك على مضض إكرامًا لرفاقه المناضلين، وحين زار الرئيس قحطان المنطقة بعد فترة ليست طويلة، وجدها هذا المناضل سانحة لإقناعه بتعيين مناضل آخر مكانه، واستجاب لذلك تحت إلحاح صديقه المناضل.
ولما كان عند مطلع عام 1967م، وكان النظام الجمهوري في صنعاء في ضائقة مالية حادة للغاية، توجه هذا الوطني الغيور على الثورة ونظامها الجمهوري إلى مدينة تعز ليقوم ببيع منزله هناك في منطقة الأجينات (مسكن أولاده)، واتجه إلى صنعاء برفقة المناضل الشجاع ضابط الصاعقة محمد عبده ناشر (شيخ الله)، ولمجرد معرفة قائد الثورة الرئيس المشير السلال بقدوم الرجل أراد أن يرد على تهديدات مشايخ طوق صنعاء، ومن باب التعارف كان كل واحد يقدم ويعرف بنفسه أنه شيخ المنطقة الفلانية، وعند الوصول إلى محمد عبده ناشر وقف في حماسة وعرف بنفسه بأنه الرائد في الصاعقة محمد عبده ناشر (شيخ الله)، ومن يومها لحق هذا اللقب به.
وجاء دور الرئيس السلال ليلقي كلمته في الحضور قائلًا وصلتني تهديداتكم أيها الإخوة المشايخ ما لم نوفر لكم المال فإنكم سوف تذهبون إلى الطرف الآخر الملكيين حيث المال والذهب. نحن قيادة الثورة نقول لكم خزانة الدولة فارغة من المال، فمن يريد الثورة والنظام الجمهوري فأهلًا به، ومن يعمل معنا في الصباح كجمهوري ويذهب في المساء عند الملكيين لا شأن لنا ولا حاجة لنا به. ولا بد أن تعرفوا أن الفارق بينكم وبين هذا المناضل عبدالرحمن محمد عمر أنه باع منزله في تعز وجاء يتبرع بالقيمة لصالح الثورة والجمهورية، هذا جاء يعطي الثورة وأنتم جئتم تأخذون منها وتطلبون وتهددون، وأنتم تعلمون أننا في هذه الفترة العصيبة لم نستطع توفير قيمة طعام للجنود والضباط المرابطين في ساحة الشرف والبطولة والتضحية والفداء. فمن هو يا ترى الصح ومن هو الغلط (احكموا بأنفسكم)، والسلام.
ما كادوا يسمعون كلمة والسلام إلا وهرعوا إلى البوابة مسرعين ورؤوسهم منكوسة على الأرض لا يقوون على رفعها خجلًا من أنفسهم.
وعندما تولى الرئيس سالم ربيع علي مقاليد السلطة في جنوب اليمن، استدعى صديقه ورفيقه المناضل عبدالرحمن، وعرض عليه حقيبة وزارة الإدارة المحلية، فاعتذر، فقال له ما تريد من وزارة فرد عليه أنت تعلم أني لا أطمع بأي منصب، فقط أريد منك توجيهًا لوزارة الثقافة بالسماح لي باستيراد (معمل تصوير حديث) من أجل أطلب الله على أولادي، فوجه الرئيس سالمين على مذكرة الطلب إلى وزير الثقافة: إليكم المناضل ومرجعية النضال الرفيق عبدالرحمن محمد عمر، امنحوه تصريحًا لاستيراد معمل تصوير حديث وما يريد.
لكن هذا المناضل العملاق لم يتمكن من توفير المال اللازم لاستيراد المعمل، فظل حتى فترة الرئيس علي ناصر محمد يجمع ما استطاع إليه سبيلًا من دخل الاستديو، وبالكاد بلغ عند النصف من القيمة أو أكثر بقليل، فعلم الرئيس عبدالفتاح إسماعيل بالأمر، واستدعاه، وسأله عما يعانيه وعن وضعه كونه كان من رفاقه المخلصين، فطرح عليه موضوع المعمل وعدم قدرته على توفير كامل القيمة، وفورًا وجه الرئيس فتاح البنك الأهلي بفتح اعتماد استيراد المعمل بموجب بطاقته، فهو رجل مضمون. هكذا كان التوجيه.
منزل عبدالرحمن عمر
قبل وفاة هذا المناضل بحوالي عامين، كان لا بد له أن يجمع ما يمتلكه من وثائق هامة تتعلق بتاريخ حركة القوميين العرب في اليمن والمركز في لبنان، واجتماعات الإعداد لثورة 26 سبتمبر التي عقدت في منزله في قرية حارات الأعبوس، وكانت تسمى المنظرة. وتلك الوثائق المتصلة بالإعداد لثورة 14 أكتوبر المجيدة، وكذلك وثائق واجتماعات الحزب الديمقراطي الثوري.
كما أنه نقل كافة الوثائق من منزله في مدينة عدن إلى منزله في القرية، وتولى ترتيبها وتبويبها وحفظها على نحو جيد، بمعزل عن كل دواعي التلف. وعندما انتقل إلى الرفيق الأعلى استكثر نظام صنعاء عليه نشر نبأ الوفاة أو عزاء من أجهزة الإعلام، وهو الذي قدم تضحيات يطول شرحها هو وإخوانه وأبناء عمه وكل أفراد أسرة آل عمر يرحمهم الله جميعًا، فيما ذكر إعلام عدن نبأ وفاته على استحياء بكلمات قليلة مرتعشة. والله المستعان.

تدمير المنظرة لإحراق الوثائق

قبل أربع سنوات قام طيران التحالف بإلقاء القنابل والمتفجرات على المنظرة المنزل التابع لهذا المناضل، دون مبرر، فقد كان المنزل بعيدًا عن مسرح الأحداث، مما أدى إلى تدمير المنزل وإحراق وثائق على قدر كبير من الأهمية. ولعل الهدف لم يكن بالأساس تدمير المنزل، بقدر ما كان إحراق تلك الوثائق الهامة. ربما تنامى إلى مسامعهم أن من بين تلك الوثائق ما يتصل بهم.