الأشوريون.. شعب لا يتقن البكاء على قبره
في 24 أبريل عام 1915 حين قررت الإمبراطورية العثمانية أن تنظف منطقتها من كل من لا يشبهها، كان الأشوريون يخوضون إبادةً لا تقترب من نهاية. سيفو وعاشيرتا واركند أسماء قرى صارت مقابر جماعية ضمن عمليات امتدت قرابة عقد، وأُديرت من داخل حكومة الاتحاد والترقي التركي ونفذها الجيش العثماني بتحالفات قبلية متعددة.

سنوات من العنف المنظم كأنها آلة تتحرك بثقل وتترك وراءها فراغاً يصعب ملؤه. رجال سقطوا في الحقول ونساء شوهدن للمرة الأخيرة وهن يتجهن شرقاً. بعض الأسماء انطفأ تماماً وبعضها بقي أثراً على ورق أو في ذاكرة بعيدة. عشرات الآلاف سقطوا لأنهم أقلية تملك إصراراً على البقاء، لا لأنهم طرف في حرب متكافئة.
في الألفية الثالثة قبل الميلاد، حين كان الآخرون يكتبون خرافاتهم على جلد الغزال، كان الأشوري يوقع اسمه على الطين بخاتمه الأسطواني. في نينوى وآشور وكلخو حيث الريح تعرف الأزقة بأسمائها، شيدوا إمبراطورية كانت المكتبة فيها سلاحاً يوازي الجيوش. آشور بانيبال ترك وراءه آلاف الألواح، كأنه يسلّم الزمن ذاكرة لا تصدأ.
لم يختف الأشوريون حين سقطت نينوى عام 612 قبل الميلاد. هذا ما يفعله من لا يملك وطناً بديلاً، يتحول إلى جدار في جسد الآخر. دخلوا المسيحية على مهل، كما يتحول النهر إلى جليد دون أن يفقد طعم الماء. اختاروا كنيسة المشرق لأنها الأقرب إلى روحهم التوحيدية، واحتفظوا بآرامية المسيح لغة للطقس، كمن يحمل اسماً ثابتاً في الذاكرة ومعلقاً في السجلات.

في جبال هكاري حيث ترك العثمانيون الخرائط تخربش نفسها، بنى الأشوريون قرى معلقة بين الصخر والغيوم. الدير أكثر من رهبنة، مخفر وحدود وسجل ولادات. القس يحمل ملامح شيخ قبيلة، والسيف قريب من الصليب، والصباح يبدأ بالبخور وينتهي بمراقبة الأفق.
عام 1933 عادت المجازر حين قرر الجيش العراقي أن الأشوري يصلح ككبش فداء. وعام 2014 جاء داعش ليذكر الجميع أن بعض الجراح لا تلتئم، تنتظر فقط من يفتحها من جديد. طُرد الأشوريون من ديارهم في سهل نينوى ووادي الخابور، واختُطف المئات ودُمّرت الكنائس والأديرة ومُحيت آثار حضارة عريقة، كأن التاريخ يعيد نفسه بوحشية أشد.
الذين نجوا ـ وهذه معجزة صغيرة أو لعنة بحسب النظرة ـ حملوا كنائسهم على أكتافهم وهاجروا. بعضهم إلى وادي الخابور في شمال شرق سوريا، حيث زرعوا ثلاثين قرية في أرض كانت تتذكرهم كما يتذكر العجوز صديق طفولة (دُمّرت تلك القرى لاحقاً على يد داعش). والبعض الآخر ذهب إلى شيكاغو وتورونتو وسيدني، مدن لا تعرف ما تعنيه كلمة خابور.
تُقدر أعدادهم اليوم في العالم بين مليون ونصف وخمسة ملايين نسمة. يعيش جزء كبير منهم في الشتات، بينما يتوزع الباقون بين العراق وسوريا وإيران وتركيا، كأنهم أجزاء من جسد مقطع لا يزال نبضه يصل إلى الأطراف.
في قرى وادي الخابور ظلوا يتحدثون الآرامية كلغة يومية، بينما جيرانهم العرب والأكراد تتبدل علاقتهم بهم بين ود وحذر. كنيستهم مار كوركيس تحمل على جدرانها طبقات من الحكايات، كأن الحجر نفسه يتذكر. التاريخ هناك يتراكم كألم واحد يتغير شكله ولا يختفي.
في أربيل اليوم حيث الحراسة مشددة والأبواب ثقيلة، يحاول أشوريون جدد كتابة هويتهم خارج معجم الدم. توجد مناصب مخصصة لهم وجامعات تدرّس لغتهم ومتاحف تعرض آثارهم. مع ذلك يتسلل شعور بأن الإقامة مؤقتة، وأن الأرض تحت القدمين قابلة لإعادة التعريف في أي لحظة.
الأشوري يمضي دون ضجيج في غير مواطن قوته السياسية، ويمشي كمن اعتاد سوقاً صاخبة لا يرتفع فيها صوته. يبني كنيسة في كاليفورنيا كما بنى أجداده ديراً على قمة جبل في هكاري، ويعلّم أبناءه السريانية إلى جانب لغة البلد، ويحتفل بأكيتو في حديقة عامة، بينما المارة ينظرون كأنهم يشاهدون فيلماً وثائقياً عن شعب انقرض ولم يخبر أحداً.
في السويد حيث يمتد الشتاء طويلاً، تشكلت حياة جديدة. صار للأشوريين حزب سياسي وكنائس وقنوات تلفزيونية، وأبناء يتقنون السويدية ويبدؤون يومهم بتحية ثقيلة بآرامية قديمة. الهوية هناك تظهر كألم خفيف يرافق الجسد في البرد.
الأشوريون اليوم تجربة حية في أن تكون شعباً بلا جيش وبلا دولة وبلا احتياطي نفط، ومع ذلك يبقى حضورهم واضحاً. يحتفلون بعيد الصليب كما لو أن الصلب حدث قريب، ويكتبون أسماء أطفالهم بالآرامية على شهادات ميلاد بلغة لا يفهمها أحد في بلدهم.
ربما يكمن سر بقائهم في علاقة مختلفة مع الخسارة. لم يتقنوا فن البكاء على القبر. حين سقطت نينوى قاموا ومسحوا الغبار. حين ذُبح أبناؤهم عام 1915 هاجروا وبكوا في صمت. حين عاد القتل عام 2014 عادوا ليبنوا من جديد في المكان نفسه. حضور ممتد في قصة طويلة.
في كنيسة قديمة على جبل في شمال العراق، تشعل امرأة عجوز شمعة كل صباح، وتهمس بصلاة لا يفهمها سوى هي والجدار. تلك الشمعة تشبههم، صغيرة وقابلة للانطفاء في أي لحظة لكنها تجد دائماً من يعيد إشعالها.
وفي طبقة أخرى من الحضور يظهر الأشوريون كأصوات تكتب وتغني وترسم، والذاكرة تمضي في اكتمال حضورها. في الأدب يبرز سركون بولص كجملة تمشي خارج السياق وتعيد تعريف المنفى كلغة تمتد خارج المكان.
في الفكر والصحافة يقف نعوم فائق في زمن مبكر كمن يثبت الاسم على الورق ويمنح الهوية امتداداً في العتمة. في الموسيقى تتكرر الأصوات كحركة مستمرة لرد الاعتبار للصوت، من إيفان أغاسي إلى لندا جورج وجوليانا جندو، أصوات تحمل السريانية خارج جدران الكنيسة إلى فضاء أكثر اتساعاً وارتباكاً. هناك يتخذ الإبداع شكل طريقة للبقاء، وتتحول الكتابة والغناء إلى جسد إضافي يواصل الحركة خارج مرأى التاريخ.
