ضجيج العالم يصمت !ولكن في قلب حضرموت
ذاتَ أمسيةٍ ثقافيةٍ عام 2008م، وجدتُ نفسي حاضرًا ومكرّمًا في واحدةٍ من بيوتات سيئون العلمية والأدبية. كنتُ حاضرًا بعقلي وفكري، ومستلهِمًا تجربةً رغم حداثة العمر آنذاك. المكان كانت الغرفة الكبيرة بجنبات جدرانها الناطقة بالعلم والتاريخ والروحانية، ونافذتها الحضرمية المطلة على بحرٍ من الموروث الغزير.
«مركز ابن عبيدالله لخدمة التراث» الذي تأسس في دار علامة حضرموت السيد عبدالرحمن بن عبيدالله، كان يشهد حراكًا ثقافيًا وأدبيًا وسياسيًا متفردًا. كنتُ، كغيري، أترقّب بشغف إعلان إذاعة سيئون مساء كل أربعاء أسبوعيًا عن الندوة والضيف الذي سيلقي على الحاضرين بعضًا من كنوز الأدب والثقافة والشعر والعلوم المختلفة. وليس هذا فحسب، بل كنتُ أستمع بإصغاء للنقاش العميق عقب كل فعالية.

اليوم استدعتني تلك الذكريات لما شهدته سيئون الأسبوع المنصرم من عودةٍ لحراكٍ علمي وثقافي في الديوانية المسماة «أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها». تبدو الفكرة أشبه بخيال وأمنية في النفس تراود الكثير من علماء ومثقفي موطننا الحبيب، وها هي اليوم تتحول إلى واقع، وليس أي واقع، بل بداية ذات طراز رفيع من خلال الاحتفاء بأديب وعلامة، شاعر الأحقاف السيد صالح الحامد.
تصفحت الصور، بل وشاهدت الفعالية التي نُشرت مرئيًا، وما لامس قلبي من فخرٍ واعتزاز بكل الحضور الذين تقدّمهم العلامة الفقيه الحبيب محمد بن بصري السقاف، ونخبة من علية القوم ورجال الدولة. شهدتُ تلك المقدمة البلاغية اللغوية بكل كلماتها من قبل الدكتور إبراهيم بن المنصب علي الحبشي، واستمعت بإصغاء للعم غالب بن صالح الحامد، الشخصية التي تحولت منصتها على فيسبوك إلى وثائقيات مكتوبة عن شخصيات ومعالم حضرمية.

الندوة والديوانية أعادتا شيئًا كثيرًا من ذكريات مركز ابن عبيدالله، بل واستنهضتا فينا أملًا رغم كل المحيط المحبط، والأحداث المحلية والعالمية التي حوّلت مجتمعاتٍ إلى صراعاتٍ لا متناهية، ومشاكل فكرية تجعل الشاب حائرًا مع كل صباح يستيقظ فيه على إشعارات هاتفه المحمول!
يا أهلنا في سيئون، هذه فرصة ذهبية لإعادة التوازن الفكري واستعادة ماضٍ مشرق شهدته كل بيوتات حضرموت دون استثناء.
الأمنيات الصادقة بديمومة الديوانية واستمرار عطائها، والتفاف الشباب حولها، فهي بوابة العودة للمجد.
