الخميس 30 أبريل 2026
  • الرئيسية
  • من هرمز إلى جوادر: الصين تبني إمبراطوريتها على أنقاض النفوذ الغربي

من هرمز إلى جوادر: الصين تبني إمبراطوريتها على أنقاض النفوذ الغربي

شهدت منطقة الخليج العربي تصعيدًا ميدانيًّا خطيرًا عقب إعلان طهران فتح ثم إغلاق مضيق هرمز خلال الـ24 ساعة الماضية، حيث قامت زوارق الحرس الثوري الإيراني بإطلاق النار صوب سفينتين حاولتا العبور، إحداهما ناقلة نفط هندية؛ الأمر الذي أعاد المشهد إلى نقطة الصفر رغم التأكيدات الأمريكية المتكررة حول شل القدرات البحرية الإيرانية. علاوة على ذلك، تجاوز هذا التحرك العسكري كونه مجرد اعتراض ملاحي، ليتحول إلى رسالة سياسية شديدة اللهجة تفيد بأن مفاتيح الممر المائي الأهم عالميًا لاتزال في قبضة طهران حصرًا، وذلك بمعزل عن الرقابة والتمشيط الجوي والبوارج الأمريكية التي لم تتدخل لمنع الهجوم.

الممرات الباكستانية والطموح الصيني

تعد بلوشستان الباكستانية، الغنية بالذهب والنحاس والغاز، حجر الزاوية في هذا الصراع الجيوسياسي، لا سيما وأن الصين تسعى عبر مبادرة "الحزام والطريق" للوصول إلى بحر العرب. وفي هذا السياق، استثمرت بكين قرابة 60 مليار دولار في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC)، وتحديدًا في تطوير ميناء "جوادر" ليكون بوابتها المباشرة نحو الخليج العربي، تفاديًا للاعتماد على مضيق ملقا الخاضع للرقابة الأمريكية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتدت الخطة الصينية لتشمل اتفاقًا استراتيجيًا مع إيران بقيمة 400 مليار دولار يمتد لربع قرن، تحصل بموجبه بكين على النفط الإيراني مقابل استثمارات ضخمة؛ ما أدى بدوره إلى خلق شبكة نقل برية وبحرية تربط غرب الصين بميناء جوادر ثم برًا عبر الأراضي الإيرانية وصولًا إلى الأسواق العالمية.

ميناء تشابهار: الرد الهندي والرهانات الجيوسياسية

بالمقابل، وعلى بعد كيلومترات قليلة من جوادر، تبرز أهمية ميناء "تشابهار" الإيراني الذي استثمرت فيه الهند بمئات الملايين من الدولارات. ورغم تحالف نيودلهي الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، إلا أنها وجدت في "تشابهار" مخرجًا للالتفاف على الحصار الصيني في باكستان، فضلًا عن كونه منفذًا تجاريًا يربطها بروسيا وأفغانستان بتكلفة ووقت أقل بكثير. وقد أفضى هذا الوضع إلى تحويل إيران لساحة خلفية للصراع الصيني الهندي، وفي الوقت نفسه مركزًا لتبادل المصالح؛ حيث استغلت طهران موقعها الجغرافي لتعيد تعريف أهميتها السياسية، محولةً مضيق هرمز من مجرد ممر ملاحي دولي إلى ورقة ضغط استراتيجية تتحكم في 20% من إمدادات الطاقة العالمية.

صراع الإرادات

من جهة أخرى، تدرك الإدارة الأمريكية أن فقدان السيطرة الأمنية على مضيق هرمز يعني تلقائيًا تسريع الصعود الصيني للقيادة العالمية، وتغيير معادلة الطاقة التي استمرت منذ الحرب العالمية الثانية والمبنية على الإنتاج الخليجي بحماية أمريكية. لذا، تسعى إيران من خلال سيطرتها على المضيق إلى فرض معادلة جديدة تعتمد على "الحماية الإيرانية"، بما يمنحها سلطة تحديد أسعار الطاقة ومنح امتيازات الاستكشاف. ومن هنا، ينبع القلق الأمريكي من احتمال تحول طهران إلى الحلقة المفقودة التي تضع آسيا وأوروبا وإفريقيا في قبضة الاقتصاد الصيني القائم على "اليوان"؛ وهو ما يدفع واشنطن للتمسك بالسيطرة على المضيق منعًا لانكسار هيبتها الإمبراطورية أمام الزحف الصيني والمناورات الهندية.

إعادة تشكيل التحالفات: نموذج "شراكة التهديد" الإقليمية

تأسيسًا على ما سبق، وأمام هذا المشهد الدولي المعقد، برزت ملامح تحالفات جديدة مبنية على "نموذج شراكة التهديد"، حيث بدأت قوى إقليمية مثل مصر وتركيا وباكستان في تعزيز تنسيقها العسكري لمواجهة المخاطر الوجودية وتمدد الصراعات. ويتجلى ذلك بوضوح في المناورات العسكرية المشتركة والتعاون في تكنولوجيا الصواريخ، مدفوعًا بحالة من الخوف الجماعي من تداعيات التصعيد في المنطقة. وختامًا، فإنه في ظل انهيار النظام العربي التقليدي، يبدو أن الصراع القادم حول إيران ومضيق هرمز سيمثل نقطة انطلاق لصدام كوكبي بين قوة أمريكية متراجعة وقوة صينية صاعدة؛ مما يضع دول المنطقة أمام خيار التحالف الوثيق، أو مواجهة مصير منفرد في عالم لا يعترف إلا بموازين القوى الجديدة.