البهرة.. التجارة تروي أغصان العقيدة
منذ نحو تسعة قرون دخل الإمام الطيب بن الآمر في الستر. غرفة لا يعرف عنوانها أحد، ومنذ ذلك الوقت وأتباعه ينتظرون عودته. اشتغلوا في سنوات الانتظار الطويلة بالتجارة، وأسسوا شركة عقدية تحمل اسم "البهرة"، اسم التصق بهم حتى صار قدراً. وبينما انشغل العالم بالحروب الكبرى، بنى هؤلاء إمبراطورية من العطور والأقمشة والذهب، محولين السوق إلى محراب والربح إلى وسيلة لصيانة المقدسات.

البهرة (بالكوجراتية تعني التاجر) تجار قبل أن يكونوا شيعة اسماعيلية، يتبعون إماماً مستوراً دخل الستر في القرن السادس الهجري ولم يره أحد منذ ذلك الحين، وفي غيابه يديرهم "داعٍ مطلق" يقيم في قصر ببومباي، يمسك بمفاتيح الأموال والقلوب والزكاة والصلوات، ويوزع على أتباعه تعليمات البيع والشراء ومواعيد صيام رمضان.
القصة بدأت في مصر الفاطمية حين مات الإمام المستنصر وانقسم أبناؤه على الكرسي، فقام وزير اسمه الأفضل شاهنشاه بتنصيب الابن الأصغر المستعلي وأقصى الابن الأكبر نزار، الذي قتل في السجن، ليهرب أتباعه إلى إيران ويؤسسوا الدولة النزارية التي عُرفت بالأغاخانية. أما أتباع المستعلي فبقوا في مصر حتى سقطت الدولة الفاطمية، فحمل الدعاة بضاعتهم ورحلوا إلى اليمن حيث وجدوا عند الملكة أروى بنت أحمد الصليحي سوقاً رائجة، وهناك في قمم حراز، أسسوا دولتهم الصغيرة وانتظروا إماماً مستوراً.

يتمحور التوجه العقدي لهؤلاء حول "العقيدة الطيبية" وهي منظومة فكرية وفقهية نشأت عقب دخول الإمام الطيب بن الآمر الستر. يؤمن أتباعها بأن الإمامة استمرت في نسله سراً دون انقطاع، مما أوجب وجود الداعي المطلق ليكون نائباً للإمام في تدبير شؤون المؤمنين وحفظ أسرار الدعوة.
تعتنق كل من الطائفتين الداودية والسليمانية هذه العقيدة الطيبية بحذافيرها، فهما غصنان لشجرة واحدة تشتركان في تقديس الإمام الطيب والاعتماد على كتب الدعوة الفاطمية المستعلية. وينحصر الخلاف بينهما في تحديد هوية الشخص الذي يتولى منصب الداعي المطلق مع بقاء الأصول والأركان العقائدية ثابتة وموحدة لدى الطرفين.
عندما اختفى الإمام الطيب بن الآمر، قالوا إنه دخل الستر ولم يمت، ومن ذلك اليوم والبهرة يترقبون ظهور المستور، ومثل طالب في الابتدائي ينتظر إجازة الصيف، ينتظر البهرة في حراز إماماً لم يره أحد منذ قرون، وفي غيابه جعلوا له نواباً سموهم "الدعاة المطلقين"، أولهم كان الذؤيب بن موسى الوادعي الهمداني، وآخرهم اليوم السلطان مفضل سيف الدين الجالس في قصر ببومباي، خلفاً لوالده محمد برهان الدين.
هؤلاء الدعاة هم المديرون لشؤون الطائفة، يديرون الاستثمارات، ويجمعون التبرعات، ويصدرون التعليمات، ويضعون "الرقعة" مع الموتى، فعند البهرة يدفع كل فرد العشور للداعي وينفذ أوامره ويعرف أن الخروج عن طاعته يعني الخروج من المنظومة الاجتماعية للطائفة.
في نهاية القرن العاشر الهجري مات الداعي السابع والعشرين داود بن قطب شاه فانقسم الورثة كما ينقسم أبناء التاجر على أموال أبيهم قبل أن يبرد جسده، فريق قال إن داود بن عجب شاه هو الإمام الشرعي، وفريق آخر قال إن سليمان بن حسن هو الأحق، الفريق الأول صار يعرف بالداودية وهم السواد الأعظم ومركزهم في بومباي وسورت، ويتواجدون في باكستان واليمن والخليج ومصر، أما الفريق الثاني فعرف بالسليمانية أو المكارمة (نسبة إلى قبيلة بني مكرم التي احتضنت الدعوة في نجران وأصبحت عصبها القبلي والقيادي، وتمركزوا في نجران).
كلا الفريقين الداودية والسليمانية يؤمن بنفس العقيدة ونفس الإمام المستور ونفس القبر المقدس في الحطيب، والفرق الوحيد أن الداودية يرسلون العشور إلى بومباي والسليمانية يدفعون لمنصوبهم المحلي.
عقيدة البهرة تقوم على سبع دعائم تبدأ بالولاية وتنتهي بالجهاد، وفي كتاباتهم تُعد الولاية هي طاعة الداعي المطلق وركن الإسلام الأول، فالصلاة عندهم هي الاتصال بالإمام، والزكاة هي الإقرار بالأئمة، والصوم هو كتمان السر، والحج الحقيقي هو إلى قبر طاهر سيف الدين في بومباي.
ينتقد خصوم البهرة هذه التأويلات، ويذكرون أن البهرة يحجون إلى مكة من باب التُّقية، بينما وجهتهم الحقيقية هي "روضة طاهر سيف الدين" في شهر رجب، كما أنهم يدفنون موتاهم في مقابر خاصة، ويضعون مع الميت "رقعة" موقعة من الداعي تشهد له بالولاء. وكأن الجنة تحتاج إلى تأشيرة دخول من مدير فرع بومباي.
زعيمهم الحالي مفضل سيف الدين، يسير على نهج والده كأحد أثرياء العالم، حيث يمتلكون المصانع والفنادق وعشرات الشركات، ويديرون تجارة الذهب مع أفراد عائلتهم بذكاء عابر للقارات.

في اليمن يستقبل الداعي استقبالاً يليق بالإمبراطور، إذ يجهز له الأتباع عرشاً بثمانية مقابض يحمل فوق الأكتاف والناس حوله يتمسحون به ويقبلون يده ورجله. قيل لأحدهم: لماذا تفعلون ذلك؟ قال: إنه نائب الإمام المستور. قيل: والإمام المستور أين هو؟ قال: في الستر. قيل: متى يخرج؟ قال: لا نعلم. قيل: فلماذا تسجد لنائب إمام لا تعرف عنه شيئاً؟ فضحك وأدار ظهره.
لا توجد إحصاءات دقيقة لكن أعدادهم في اليمن تقدر ببضع عشرات الآلاف، بينما يقترب أتباعهم في الهند من مليون ونصف المليون، وهم مجتمع من الأغنياء والأثرياء، يملكون مساجد ومدارس ومستشفيات، ولا يصلون في مساجد المسلمين ولا يدفنون في مقابرهم ولا يتزوجون من غيرهم.

يقول زعيمهم الراحل محمد برهان الدين في رسالة سابقة لأتباعه في اليمن: "اعلموا أن البراءة من الأعداء وترك مجالستهم ومواصلتهم في أي حال من الأحوال شرط من شروط التعهد". هكذا يعزلون أنفسهم في جزر مغلقة داخل المجتمعات، يبيعون ويشترون ويصومون ويصلون، وينتظرون إماماً مستوراً.
البهرة نجحوا حيث فشل غيرهم، فلم يقاتلوا أحداً ولم يرفعوا راية ولم يعلنوا ثورة. استبدلوا السياسة بالتجارة كآلية بقاء فريدة. دفعوا أموالهم وأغلقوا مساجدهم وتزوجوا من بعضهم وتركوا العالم يتقاتل على من هو الخليفة الشرعي.
في بومباي، بنوا قبة لطاهر سيف الدين وكتبوا القرآن كله بصفائح الذهب على جدرانها، وفي اليمن، يحجون إلى قبر حاتم في الحطيب، وفي كل مكان، يرددون نفس الدعاء: الإمام مستور والداعي حاضر. والمال يدفع والباقي مجرد فاتورة تُسدد نقداً. هذا إنجاز لا يحققه إلا الأذكياء أو التجار، والبهرة يديرون الشركتين معاً باقتدار.
