الخميس 30 أبريل 2026
  • الرئيسية
  • الأحزاب بين الوفاء للجمهورية وخيانات الأيديولوجيا

الأحزاب بين الوفاء للجمهورية وخيانات الأيديولوجيا

في مسار الأمم، لا تُقاس التحولات الكبرى بلحظاتها الصاخبة فقط، بل بجذورها العميقة التي تمتد في تفاصيل السياسة وتقاطعات المصالح. واليمن، الذي وجد نفسه خلال العقد الأخير في قلب واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث، لم يصل إلى حافة الانهيار بين ليلة وضحاها، بل عبر مسار متدرّج من الاختلالات التي أصابت بنية الدولة، وأضعفت مناعتها، وفتحت الباب أمام مشاريع متناقضة تتنازع على جسدها.


في هذا المشهد المركّب، تداخلت الحسابات الحزبية مع التحديات الوطنية، واختلطت الشعارات بالمصالح، حتى أصبح من الصعب التمييز بين من يقاتل دفاعاً عن الدولة، ومن يوظّفها لتحقيق مكاسب خاصة.
ومع تعاقب الأحداث من صعدة إلى عمران، وصولاً إلى صنعاء، تكشّفت ملامح أدوار سياسية لم تعد تحتمل التأويل، بقدر ما تستدعي قراءة صريحة تعيد ترتيب الوقائع وتضعها في سياقها الحقيقي.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تفكيك هذا المسار، ليس بهدف اجترار الماضي، بل لفهم كيف تداخلت القرارات، ومن تحمّل كلفة الدفاع عن الجمهورية، ومن أسهم – بالفعل أو بالصمت – في إضعافها.
فبين خطاب الوفاء للدولة وممارسة السياسة على حسابها، تتشكّل القصة الكاملة التي لا يمكن القفز فوقها عند البحث عن طريق للخلاص.
لم يكن ما شهده اليمن من صعدة إلى صنعاء مجرد تعثّرات عابرة في مسار دولة، بل كان اختباراً قاسياً فرز المواقف وكشف معادن القوى السياسية. وفي هذا الاختبار، برز فارق حاد بين من تعامل مع الدولة كقضية وجود، ومن تعامل معها كورقة في لعبة النفوذ.
في حروب صعدة الست، حين كانت الدولة، بقيادة الرئيس الشهيد علي عبد الله صالح، تخوض مواجهة مصيرية ضد تمرد عقائدي صاعد، قدّم حزب المؤتمر الشعبي العام نفسه كحامل فعلي لمشروع الجمهورية، ودفع من كوادره في الجيش والأمن أثماناً باهظة دفاعاً عن السيادة.
في المقابل، بدا موقف حزب الإصلاح (فصيل الإخوان في اليمن) مرتبكاً ومزدوجاً: مشاركة في الميدان عبر قوى محسوبة عليه، مقابل خطاب سياسي وإعلامي يروّج لمظلومية الخصم، ويضغط لإيقاف الحسم، في مفارقة أسهمت في إطالة أمد الصراع، وصنعت الفوضى، ومنحت الحوثيين فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم.
هذا الخلل البنيوي انفجر بوضوح في عمران عام 2014. هناك، تُرك العميد حميد القشيبي، قائد اللواء 310 مدرع، يواجه مصيره وحيداً في معركة غير متكافئة.
لم يكن سقوط اللواء مجرد خسارة عسكرية، بل لحظة كاشفة لغياب الإسناد الحقيقي، في وقت كانت فيه قوى الإصلاح، التي تسيطر وتمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً، يفترض أن تُسخّر هذا النفوذ لحماية الجبهة، لا تركها تنهار. انتهت المعركة باستشهاد القشيبي وسقوط عمران، لتُفتح البوابة على مصراعيها نحو صنعاء.
وفي قلب هذا المشهد، حضرت مواقف وتصريحات مثيرة للجدل لشخصيات من حزب الإخوان، أبرزها حميد الأحمر، عكست حالة صراع سياسي طغت على مقتضيات المعركة الوطنية، ورسّخت الانطباع بأن الحسابات الحزبية كانت تتقدم على حساب الدولة.
وكل تلك الأحداث والتصريحات أكّدت، وبلا أدنى شك، وجود تفاهمات وتسويات بين كل من حزب الإصلاح وميليشيات الحوثي.
أما على مستوى قيادة السلطة حينها، التي كانت تخضع لإملاءات الإخوان وتوجيهات قيادات حزب الإصلاح، فقد جاء خطاب عبد ربه منصور هادي ليضيف مزيداً من التأكيد، حين أعلن عودة عمران إلى حضن الدولة، في وقت كانت فيه الوقائع الميدانية تشير إلى العكس تماماً.
ذلك التناقض لم يكن تفصيلاً عابراً، بل مؤشراً على حالة ارتباك سياسي عميق، خضعت فيه القرارات لتوازنات حزبية معقّدة، لعب فيها الإصلاح دوراً أساسياً مؤثراً في إسقاط الجيش ودولة المؤسسات.
وحين وصلت الأحداث إلى ذروتها في سقوط صنعاء عام 2014، بدا المشهد كأنه تتويج طبيعي لمسار طويل من التفكك.
سقطت العاصمة دون مقاومة تُذكر من قوى كان يُفترض أنها تمثل الشرعية، أو تقع ضمن دائرة نفوذ الإصلاح، في حين كان المؤتمر الشعبي العام قد حذّر مبكراً من خطورة ترك الجبهات رخوة أمام تمدد الحوثيين.
لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تكرّر النمط ذاته في جبهات نهم والجوف، حيث تحوّلت المعارك إلى حالة استنزاف بلا حسم، وانتهت بانهيارات مفاجئة قُدّمت تحت مسميات تكتيكية، بينما كانت في جوهرها تعكس خللاً وتواطؤاً في إدارة المعركة، وارتباط القرار العسكري بحسابات البقاء الحزبي.
في مقابل هذا المشهد المرتبك، ظل حزب المؤتمر الشعبي العام، رغم ما تعرّض له من استهداف وتفكيك، محافظاً على خطابه المرتبط بالدولة ومؤسساتها. لم يقدّم نفسه كبديل عنها، بل كجزء من بنيتها، وهو ما يفسّر حجم التضحيات التي دفعتها قياداته وكوادره في مختلف المراحل.
إن ما تكشفه هذه المحطات ليس مجرد اختلاف سياسي بين حزبين، بل صراع بين منهجين: منهج يرى في الدولة إطاراً جامعاً يجب حمايته، حتى لو كلّف ذلك خسائر سياسية، ومنهج آخر يتعامل معها كأداة يمكن إعادة تشكيلها وفق مصالحه، حتى لو أدى ذلك إلى إضعافها أو انهيارها.
واليوم، وبعد أن تكشّفت الوقائع، لم يعد ممكناً التستّر خلف الشعارات. فالتاريخ اليمني الحديث سجّل بوضوح من وقف في خندق الجمهورية، ومن تردّد بين الخنادق. وبينما يواصل اليمن البحث عن طريقه لاستعادة دولته وجمهوريته، يبقى الدرس الأهم أن الأوطان لا تُحمى بازدواجية المواقف، بل بثبات الانتماء، وأن الجمهورية لا يمكن أن تقوم إلا على أكتاف من يؤمنون بها كقيمة، لا كغنيمة.