الخميس 30 أبريل 2026

بين أمل الرواتب وسطوة الفساد

تفاءل الناس حين بدأ انتظام صرف الرواتب، لأن الراتب ليس مجرد مبلغ مالي، بل هو عماد الاستقرار اليومي وضمان الحد الأدنى من الكرامة في مواجهة قسوة الحياة. كان ذلك الانتظام بمثابة بارقة أمل أعادت للناس شيئًا من التوازن المفقود.


لكن هذا الأمل لم يلبث أن تعثر. فاضطراب صرف الرواتب، وتراجع التحسن في خدمات أساسية كالكهرباء، شكّل صدمة جديدة أعادت الإحساس بالخذلان، وكأن معاناة الناس تُعاد إنتاجها في كل مرة بصورة أشد قسوة.
ما يحدث ليس مجرد خلل إداري عابر، بل مؤشر واضح على تغلغل الفساد في عمق مؤسسات الدولة، حتى بات نفوذًا متجذرًا يصعب اقتلاعه. هذا النفوذ، الذي تشكّل خلال سنوات الحرب والصراعات، لم يعد مجرد ممارسات فردية، بل تحول إلى منظومة مصالح معقدة، تستند إلى القبيلة والعسكر، وتستمد قوتها من واقع الانقسام والاضطراب.
الأخطر من ذلك أن هذا النفوذ لم يكتفِ بالسيطرة على مقدرات الدولة، بل نجح في التغلغل داخل الوعي العام، متلبسًا شعارات عاطفية تستقطب غير الواعين، فيجد من يدافع عنه ويصطف معه، رغم ما يخلّفه من خراب ومعاناة.
في المقابل، يقف المواطن منهكًا، لا يطلب أكثر من راتب منتظم وحياة كريمة تحفظ له ولأسرته الحد الأدنى من العيش بكرامة. لكن بين هذا الحق المشروع، وذلك النفوذ المتجذر، تستمر معركة غير متكافئة، يدفع ثمنها البسطاء وحدهم.
إن استمرار هذا الوضع يعني أن أي إصلاح حقيقي سيظل هشًا ما لم تُواجه منظومة الفساد كجذر للمشكلة، لا كعرض من أعراضها. فالمعركة اليوم لم تعد فقط لتحسين الخدمات، بل لاستعادة الدولة نفسها من قبضة المصالح التي اختطفتها.